بين جذب الاستثمار والأمن القومي.. كيف تدير مصر ملف تملك الأجانب للعقارات؟|خاص
في ظل سعي الدولة لتنويع مصادر النقد الأجنبي وتعزيز تدفقات الاستثمار، يبرز تصدير العقار باعتباره أحد الملفات الاقتصادية التي تحظى باهتمام متزايد، خاصة مع الطفرة العمرانية غير المسبوقة التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة، وما صاحبها من إنشاء مدن جديدة ومشروعات سكنية وسياحية وإدارية رفعت من تنافسية المنتج العقاري المصري.
ومع تنامي الإقبال من المستثمرين والأجانب على شراء العقارات، يتجدد الجدل حول كيفية تحقيق المعادلة الصعبة بين توسيع فرص الاستثمار وزيادة العائدات الدولارية، وبين الحفاظ على اعتبارات الأمن القومي وحقوق المواطنين في السكن.
في البداية أكد اللواء الدكتور رضا فرحات، محافظ الإسكندرية الأسبق وخبير الإدارة المحلية، أن ملف تملك الأجانب للعقارات في مصر يجب أن يُدار برؤية اقتصادية وتشريعية متوازنة، بعيدًا عن المبالغة أو التهويل، مشيرًا إلى أن السماح للأجانب بتملك العقارات مطبق في العديد من دول العالم، ويُعد إحدى الآليات المهمة لجذب الاستثمارات وزيادة التدفقات من النقد الأجنبي، إذا تم وفق إطار قانوني واضح يراعي المصالح الوطنية.
القطاع العقاري المصري يمتلك فرصًا كبيرة
وقال فرحات، في تصريحات خاصة، إن القطاع العقاري المصري يمتلك فرصًا كبيرة تؤهله لأن يصبح أحد أهم أدوات جذب الاستثمار، في ظل الطفرة العمرانية غير المسبوقة التي تشهدها الدولة، وإنشاء المدن الجديدة، وتطوير البنية التحتية، وهو ما عزز القيمة الاستثمارية للعقار المصري وجعله محل اهتمام متزايد من المستثمرين والأفراد من مختلف الجنسيات.
وأوضح أن مصر لا تحتاج إلى فتح باب التملك بصورة مطلقة أو فرض قيود مبالغ فيها، وإنما إلى مراجعة مستمرة للضوابط المنظمة بما يتوافق مع المتغيرات الاقتصادية والأمنية، ويضمن تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار والحفاظ على اعتبارات الأمن القومي.
وأضاف أن وجود ضوابط واضحة وشفافة يعزز ثقة المستثمرين، وفي الوقت نفسه يحافظ على حقوق الدولة، مشيرًا إلى أن من بين الإجراءات التي يمكن تعزيزها تحديد المناطق ذات الطبيعة الاستراتيجية التي تخضع لقواعد خاصة، ووضع آليات دقيقة للتحقق من مصادر الأموال المستخدمة في شراء العقارات، وربط بعض حالات التملك بضوابط استثمارية أو بإقامة قانونية في الحالات التي تستدعي ذلك، مع استمرار الرقابة على عمليات البيع وإعادة التصرف لمنع أي ممارسات قد تؤثر على استقرار السوق العقارية.
تصدير العقار يمثل فرصة اقتصادية واعدة لمصر
وأكد محافظ الإسكندرية الأسبق أن تصدير العقار يمثل فرصة اقتصادية واعدة لمصر، لكنه يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل تبسيط الإجراءات، والتوسع في التسويق الخارجي، وتوفير حوافز جاذبة للمستثمرين، بالتوازي مع تحديث التشريعات بما يحقق الانضباط والشفافية.
وأشار فرحات إلى أن العديد من الدول نجحت في تعظيم مواردها من خلال التصدير العقاري دون الإخلال بمقتضيات الأمن القومي أو مصالح مواطنيها، مؤكدًا أن الدولة المصرية تمتلك من الخبرة والمؤسسات ما يؤهلها لإدارة هذا الملف بكفاءة.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن أي تطوير للتشريعات المنظمة لتملك الأجانب للعقارات يجب أن ينطلق من رؤية تحقق المصلحة الوطنية، وتعزز قدرة الاقتصاد المصري على جذب الاستثمارات، وترسخ مكانة مصر كوجهة إقليمية واعدة للاستثمار العقاري.
وفي الإطار ذاته أكد إسماعيل الشرقاوي، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمجلس الشيوخ، أن توجه الدولة نحو التصدير العقاري يمثل خطوة إيجابية، في ظل امتلاك مصر منتجًا عقاريًا قادرًا على المنافسة إقليميًا ودوليًا، خاصة في المدن الجديدة والمناطق الساحلية التي تتمتع بمقومات استثمارية وسياحية متميزة.
القطاع العقاري المصري
وقال الشرقاوي في تصريحات خاصة إن النتائج المحققة حتى الآن لا تزال أقل من الإمكانات الحقيقية التي يمتلكها القطاع العقاري المصري، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تكثيف جهود التسويق والترويج للعقار المصري في الأسواق الخارجية، إلى جانب تبسيط الإجراءات وتوحيد آليات الترويج لجذب مزيد من المشترين والمستثمرين.
وأضاف أن التصدير العقاري يعد من أسرع الأدوات لزيادة التدفقات النقدية الأجنبية، موضحًا أن مبيعات الوحدات العقارية للمصريين بالخارج والأجانب تمثل تدفقات مباشرة من العملات الأجنبية، بما يدعم الاحتياطي النقدي ويخفف الضغوط على موارد النقد الأجنبي، فضلًا عن تنشيط قطاعات اقتصادية مرتبطة بالعقار، وفي مقدمتها السياحة والخدمات.
التصدير العقاري وضمان حق المواطنين في السكن
وشدد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمجلس الشيوخ على أهمية تحقيق التوازن بين التوسع في التصدير العقاري وضمان حق المواطنين في السكن، مؤكدًا أن التركيز على الوحدات الفاخرة والسياحية الموجهة للأجانب لن يؤثر بصورة جوهرية على فرص الشباب في الحصول على وحدات سكنية، مع ضرورة وضع ضوابط تمنع أي ارتفاعات غير مبررة في الأسعار.
وفيما يتعلق ببرامج الإقامة والجنسية مقابل الاستثمار العقاري، أوضح الشرقاوي أنها تمثل أداة فعالة لجذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز تدفقات النقد الأجنبي، مؤكدًا أن نجاح هذه البرامج يعتمد على وضوح الشروط، وسهولة الإجراءات، واستقرار القواعد المنظمة لها، بما يعزز ثقة المستثمرين في السوق المصرية.
واختتم الشرقاوي تصريحاته بالتأكيد على أن التحدي الرئيسي لم يعد في إنشاء المشروعات العقارية، وإنما في تسويقها خارجيًا، داعيًا إلى تحويل العقار المصري إلى منتج تصديري قادر على المنافسة وجذب المزيد من النقد الأجنبي، بما يدعم الاقتصاد الوطني، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حق الشباب في الحصول على سكن مناسب بأسعار عادلة.
من جانبه أكد المهندس فتح الله فوزي، نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، أن ملف تصدير العقار شهد خلال الفترة الماضية اهتمامًا حكوميًا متزايدًا، من خلال اتخاذ عدد من الإجراءات التي تستهدف تذليل العقبات أمام المستثمرين، باعتباره أحد المصادر المهمة التي يمكن التعويل عليها لتعزيز موارد الدولة من النقد الأجنبي.
تنظيم معارض عقارية خارجية
وقال فوزي، في تصريحات خاصة إن الحكومة اتخذت عدة خطوات لدعم هذا الملف، من بينها منح الأجانب الإقامة عند تملك عقار وسداد قيمته بالدولار، إلى جانب إطلاق مبادرات لتشجيع المصريين بالخارج على شراء العقارات مقابل تحويل قيمتها بالعملة الأجنبية، فضلًا عن تنظيم معارض عقارية خارجية للترويج للعقار المصري وجذب مزيد من المستثمرين.
وأضاف أن السوق العقارية المصرية تشهد خلال الفترة الحالية إقبالًا متزايدًا من الأجانب على شراء العقارات، لا سيما في المناطق السياحية والمدن الساحلية المطلة على البحرين الأحمر والمتوسط، لما تتمتع به من مقومات استثمارية وسياحية متميزة.
وأوضح نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين أن شركات التطوير العقاري تلعب دورًا مهمًا في تنشيط تصدير العقار، من خلال تنظيم جولات ترويجية في الأسواق الخارجية للتعريف بالفرص الاستثمارية الواعدة التي توفرها السوق المصرية.
وتوقع فوزي أن تشهد الفترة المقبلة نموًا في مشتريات الأجانب للعقارات داخل مصر، في ظل الاهتمام الحكومي المتزايد بهذا الملف، إلى جانب زيادة أعداد المقيمين من بعض الجنسيات العربية الراغبين في الاستقرار داخل مصر.
تبسيط إجراءات التملك
وشدد على أهمية إزالة أي معوقات تواجه الأجانب الراغبين في شراء العقارات، من خلال تبسيط إجراءات التملك في الجهات المختصة، وعلى رأسها مكاتب الشهر العقاري، بما يسهم في تسهيل عمليات البيع وزيادة جاذبية السوق المصرية.
كما دعا إلى التوسع في الجولات الترويجية والمعارض العقارية بالخارج، مع التركيز بصورة أكبر على الأسواق الأوروبية، بالتوازي مع الأسواق الخليجية، مؤكدًا أن العديد من المستثمرين الأوروبيين يشترون العقارات في مصر بغرض الاستخدام الشخصي، وهو ما يستدعي الاستفادة من الموقع الجغرافي المتميز لمصر على البحر المتوسط لتعزيز الطلب الأوروبي على العقار المصري.
واختتم فوزي تصريحاته بالتأكيد على أن استمرار تطوير منظومة تصدير العقار، إلى جانب تسهيل الإجراءات والتسويق الخارجي الفعال، من شأنه أن يعزز تدفقات النقد الأجنبي، ويرسخ مكانة السوق العقارية المصرية كوجهة استثمارية جاذبة على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي سياق متصل أكد الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي، أن تصدير العقار أصبح إحدى الأدوات الاقتصادية الفاعلة التي يمكن أن تسهم بصورة مباشرة في زيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي، مشددًا على ضرورة تغيير النظرة التقليدية للعقار، والتعامل معه باعتباره سلعة تصديرية ذات قيمة اقتصادية، شأنه شأن مختلف السلع التي تعتمد عليها الدول في تعزيز صادراتها ودعم اقتصادها.
السوق العقارية المصرية
وقال عامر إن السوق العقارية المصرية تمتلك مقومات قوية تؤهلها للمنافسة إقليميًا ودوليًا، في ظل الطفرة العمرانية غير المسبوقة التي تشهدها مصر، وما تم تنفيذه من مدن جديدة ومشروعات قومية كبرى رفعت من جودة المنتج العقاري المصري وجاذبيته للمستثمرين.
وأضاف أن إطلاق مفهوم "تصدير العقار المصري"، إلى جانب إنشاء منصة متخصصة لتسويق العقارات المصرية أمام المستثمرين في الخارج، يمثل خطوة استراتيجية لفتح أسواق جديدة أمام القطاع العقاري، وتعزيز قدرته على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وأوضح أن هذه المبادرة ستسهم في رفع تنافسية السوق العقارية المصرية، والتعريف بالفرص الاستثمارية المتاحة، واستقطاب شرائح جديدة من المستثمرين والراغبين في تملك العقارات داخل مصر، خاصة مع تنوع المشروعات السكنية والسياحية والتجارية والإدارية.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن القطاع العقاري أثبت خلال السنوات الماضية قدرته على الصمود في مواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية، محافظًا على معدلات نمو جيدة، ومساهمًا في توفير تدفقات من النقد الأجنبي، إلى جانب دوره المحوري في دعم الاقتصاد الوطني.
النشاط العقاري لا يقتصر على عمليات البيع والشراء
وأكد أن تأثير النشاط العقاري لا يقتصر على عمليات البيع والشراء، بل يمتد إلى خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة من خلال مشروعات الإنشاء والتطوير، بما ينعكس إيجابًا على معدلات التشغيل والنشاط الاقتصادي.
ولفت عامر إلى أن قطاع المقاولات يعد من أكثر القطاعات كثافة في العمالة، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بعدد كبير من الصناعات، مثل مواد البناء والصناعات الهندسية والنقل والخدمات اللوجستية، ما يجعله أحد المحركات الرئيسية لدفع عجلة التنمية الاقتصادية.
وأضاف أن تنشيط القطاع العقاري ينعكس بصورة مباشرة على أداء هذه الصناعات، ويسهم في زيادة حجم الإنتاج، ورفع معدلات النمو، وتعزيز مساهمة مختلف القطاعات في الناتج المحلي الإجمالي.
واختتم عامر تصريحاته بالتأكيد على أن التوسع في تصدير العقار المصري يمثل فرصة واعدة لدعم الاقتصاد الوطني، وزيادة معدلات النمو، وتشجيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي على ضخ المزيد من الاستثمارات، بما يعزز تنفيذ المشروعات التنموية، ويرسخ مكانة مصر كمركز إقليمي للاستثمار العقاري، مستفيدة من بنيتها التحتية الحديثة والطفرة العمرانية التي تشهدها البلاد.