عاجل

هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تكشف فقط أخطاء السياسة، بل تكشف أيضًا أخطاء في فهم الدين ووظيفته. ومن أكثر المشاهد التي بقيت عالقة في الذاكرة المصرية ما جرى في السنوات التي أعقبت ثورة يناير 2011، حين اختلطت الدعوة بالعمل الحزبي، وتحولت بعض بيوت الله من منابر للهداية إلى ساحات للحشد والتعبئة الانتخابية.
لقد كان من أسوأ ما وقعت فيه بعض التيارات الإسلامية آنذاك أنها أقحمت المساجد في الصراع السياسي بصورة غير مسبوقة، وسعت إلى إضفاء قداسة دينية على خيارات هي في حقيقتها اجتهادات سياسية تحتمل الصواب والخطأ. فلم يعد التصويت بـ"نعم" أو "لا" في الاستفتاءات، أو اختيار مرشح دون آخر، مجرد قرار سياسي يقدره كل مواطن بحسب رؤيته للمصلحة العامة، وإنما صُوِّر أحيانًا على أنه معركة بين الإيمان والكفر، أو بين أهل الجنة وأهل النار.
ومع مرور الوقت، تحولت بعض المساجد إلى مقرات انتخابية غير معلنة، وصارت دروس العلم وخطب الوعظ تُسخَّر للدعاية لهذا الحزب أو ذاك، حتى أصبح بعض الخطباء يتحدثون عن فضائل التصويت لقائمة معينة أكثر مما يتحدثون عن تزكية النفوس وإصلاح الأخلاق. ولم يكن غريبًا أن يقابل هذا الانحراف برفض واسع من المجتمع، حتى شهدت مصر لأول مرة حالات متكررة لإنزال خطباء من فوق المنابر احتجاجًا على تحويل المسجد إلى ساحة صراع حزبي، وهو مشهد لم يكن المصريون قد ألفوه من قبل.
والمفارقة أن الحزب الوطني -رغم ما كان يؤخذ عليه من ممارسات سياسية وانتخابية كثيرة- لم يصل إلى حد توظيف المنابر الدينية للحشد الانتخابي بالصورة التي شهدتها تلك المرحلة.
وأتذكر جيدًا موقفًا وقع عام 2012 في لقاء ضم عددًا من دعاة الأزهر الشريف، وحضره بعض أعضاء مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين. وأثناء كلمته أخذ أحدهم يلوم الدعاة الأزهريين لأنهم -في رأيه- كانوا بعيدين عن هموم الأمة، إذ يتحدثون عن بر الوالدين، وحقوق الجار، وحقوق الزوجين، بينما كانت البلاد تعاني من الفساد وغلاء المعيشة.
واستشهد بحديث النبي ﷺ عندما مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فوجد بللًا، فقال لصاحب الطعام: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني»، ثم قال إن هذا الحديث في صميم السياسة، وهو ما ينبغي أن تنشغل به المنابر.
وحين طلبت الكلمة، كان ردي أن المشكلة ليست في الحديث، وإنما في توظيفه. فحديث «من غش فليس مني» يشمل السياسة كما يشمل التجارة وسائر المعاملات، لكنه لا يحول المنبر إلى منصة للدعاية الانتخابية أو لتأييد حزب بعينه.
وقلت له إن اختزال رسالة المسجد في السياسة خطأ في فهم الدين قبل أن يكون خطأ في فهم الواقع؛ فالقرآن الكريم والسنة النبوية امتلآ بالحديث عن العقيدة والعبادات والأخلاق والأسرة والحقوق، لأنها الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات والدول. وإذا فسد الإنسان في نفسه فلن تصلحه الشعارات السياسية مهما علت. فالداعية حين يتحدث عن بر الوالدين، وصلة الرحم، وأداء الأمانة، وحقوق الزوجين، وحسن الجوار، فإنه يعالج جذور الفساد لا مظاهره فقط، وحين يدعو إلى تقوى الله فهو ينصح للحاكم والمحكوم معًا، دون أن يتحول إلى موظف لدى المعارضة أو بوق للسلطة.
ثم ختمت حديثي له بعبارة: 
"حضرتك عاوز تحول منبر الجامع لمنبر الجزيرة." في إشارة إلى البرنامج التلفزيوني الشهير وقتها.

ولم تمض سنوات حتى جاءت أحداث 30 يونيو لتضع حدًا لهذا الخلط بين رسالة المسجد والعمل الحزبي، فعادت بيوت الله تدريجيًا إلى رسالتها الأصيلة: تربية الإنسان، وإحياء الضمير، وبناء الأخلاق، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي الذي كاد يمزق المجتمع.
لقد أثبتت التجربة أن تسييس المنابر لا يحمي الدين، بل يزج به في معارك السياسة وتقلباتها، فيدفع الناس إلى محاسبة الدين بأخطاء الأحزاب والجماعات. فالمسجد ما خُلق إلا ليكون بيتًا لله يجمع القلوب، لا مقرًا انتخابيًا يفرّق الصفوف، وكلما ارتفع المنبر فوق الاستقطاب، ازدادت هيبته في النفوس، وكلما انحاز إلى حزب أو جماعة، فقد شيئًا من قدسيته ورسالته.
وستبقى قدسية المسجد أعظم من أن تُختزل في معركة انتخابية أو تُسخَّر لخدمة تنظيم أو فصيل سياسي. فالمنبر الذي يُتلى عليه كتاب الله، وتُعلَّم منه مكارم الأخلاق، لا يليق أن يتحول إلى منصة للدعاية أو أداة للاستقطاب. لقد أثبتت الأيام أن الأحزاب تتبدل، والجماعات تصعد وتهبط، أما المسجد فيبقى ما بقي الإسلام. ولذلك فإن صيانة المنبر من صخب السياسة ليست حماية للدولة فحسب، بل حماية للدين نفسه من أن يُستهلك في معارك البشر، أو يُحاسَب بأخطاء الساسة. فهل استوعبنا الدرس؟
كل عام ومصر في سعدٍ وأمان وسلامة، كل 30 يونيو وأنتم بخير

تم نسخ الرابط