تخوض مصر معركة صعبة لعلها الأخطر في تاريخها الحديث معركة تدار عبر شاشات الهواتف الذكية وخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي ومنصات البث الرقمي ولم يعد الإعلام والفن أدوات للترفيه أو التوجيه التقليدي بل هما ركيزتان للأمن القومي وبناء الوعي الجمعي فضلاً عن كونهما محركين اقتصاديين يمتلكان القدرة على إعادة تشكيل هيكل الناتج المحلي الإجمالي ، ونعرض للنقاط التالية :-
أولاً: صياغة الوعي الجمعي في عصر "السيولة الرقمية" حيث تخلت التوعية المجتمعية الحديثة عن الأساليب المباشرة والوعظية التي هجرتها الأجيال الجديدة فالوعي الجمعي المعاصر يُصاغ اليوم عبر تفاصيل درامية ذكية وأعمال وثائقية تخاطب العقل وتغوص في عمق الهوية المصرية ومع انتشار منصات السوشيال ميديا برزت ظاهرة "اللامركزية الثقافية" حيث تحول المتلقي من مستهلك سلبى إلى صانع محتوى وشريك في توجيه الرأي العام ولكن هذا التحول حمل في طياته تحدياً استراتيجياً تمثل في سيطرة "الخوارزميات الرقمية" التي تمنح الأولوية للمحتوى السريع منخفض القيمة المعرفية، ويفرض هذا الواقع على صناع الإعلام والفن ابتكار صيغ بصرية قصيرة وعميقة تجمع بين الجاذبية التكنولوجية والقيمة الفكرية لحماية العقول من التزييف والسطحية الثقافية.
ثانياً:أحدثت التكنولوجيا ثورة بنيوية في آليات إنتاج واستهلاك المحتوى فمنصات الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي التوليدي ومحركات الألعاب الفورية أصبحت تشكل العمود الفقري للإنتاج الفني والسينمائي الحديث وهنا يظهر قطاع الألعاب الإلكترونية والترفيه الرقمي في مصر كأحد القطاعات الواعدة وتشير بيانات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لعام 2026 أن عدد مستخدمي الألعاب الإلكترونية عبر الإنترنت في مصر وصل 31 مليون لاعب يومياً مسجلاً زيادة في معدلات الاستهلاك اليومي بنسبة 21%
ولم يعد هذا القطاع مجرد تسلية رقمية بل تحول إلى صناعة تصديرية عالية القيمة المضافة تضم حالياً 248 شركة مصرية متخصصة ونجحت 40 شركة منها في جذب استثمارات ورؤوس أموال تجاوزت 9.29 مليون دولار وهذا التداخل بين التكنولوجيا والسينما والدراما يتيح لمصر فرصة تاريخية لإعادة إنتاج تراثها التاريخي والحضاري وتحويله إلى "ماركة تجارية عالمية" عبر ألعاب تفاعلية تجذب ملايين المستخدمين حول العالم
ثالثاً: المردود الاقتصادي بين النموذج الأمريكي والواقع المصري: عند المقارنة الدولية لقطاع الثقافة والفنون نجد فجوة في كيفية التعامل مع هذا المورد الاستراتيجي حيث كشفت إحصاءات مكتب التحليل الاقتصادي والصندوق الوطني للفنون فى الولايات المتحدة الأمريكية أن قطاع الفنون والثقافة يضخ سنوياً ما يزيد عن 1.2 تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي وهو ما يعادل 4.2%من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي متفوقاً بذلك على قطاعات ضخمة مثل الزراعة والبناء.
وفي مصر لا تزال مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية دون الطموح إذ تبلغ إيرادات السينما الرسمية حوالى مليار جنيه سنوياً بينما يظل الجزء الأكبر من الاقتصاد الإبداعي (مثل الحرف اليدوية والإنتاج المستقل) غارقاً في منظومة الاقتصاد غير الرسمي وهذا التباين يتطلب تحولاً نحو "تصدير الخدمات الرقمية الإبداعية" وحوكمة الاقتصاد الموازي لدمجه في الاقتصاد الرسمى.
رابعاً:أطلقت مصر الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية وتأسيس "الجهاز المصري للملكية الفكرية" بموجب القانون رقم 163 ولكن لا تزال هناك عوائق تشريعية أهمها:-
1-يواجه المبدعون والمستقلون شبكة معقدة من الجهات للحصول على التراخيص (وزارة الثقافة- وزارة الاتصالات- المصنفات الفنية والنقابات) مما يدفع المواهب الشابة للبقاء في القطاع غير الرسمي.
2-تفتقر القوانين الحالية لنصوص تحمي حقوق الفنانين من قيام شركات التكنولوجيا بتدريب خوارزمياتها على أعمالهم دون إذن مسبق أو تعويض مالي عادل.
3-يمثل بطء إجراءات التقاضي وحجب المواقع المقرصنة عبر المحاكم الاقتصادية نزيفاً مستمراً لجهود المنتجين والمبدعين مما يضعف الجاذبية الاستثمارية للقطاع .
خامساً: مقترحات نحو اقتصاد إبداعي منافس عالمياً نطرح حزمة من السياسات غير التقليدية:-
-تفعيل "النافذة الموحدة عبر نقل كافة سلطات التراخيص الرقمية والفنية لجهاز الملكية الفكرية وإصدار سجلات تجارية مبسطة وفرض تشريع يلزم المنصات العالمية بدفع رسوم سيادة ثقافية عند استخدام التراث أو الهوية المصرية في خوارزمياتها وتوجيه هذه الحصيلة لتمويل الصناديق الاستثمارية الشابة .
-تعديل لوائح الهيئة العامة للرقابة المالية للسماح للمطورين والمخرجين المستقلين بجمع تمويلات مشروعاتهم من الجمهور مباشرة عبر منصات آمنة لكسر احتكار شركات الإنتاج الكبرى.
-تأسيس الشركة الوطنية للألعاب التفاعلية عبرشراكة استراتيجية بين الدولة والقطاع الخاص لتحويل التاريخ والبطولات الوطنية إلى ألعاب إلكترونية وعوالم افتراضية تُصدر عالمياً وتخاطب وجدان الأجيال الرقمية.
ونؤكد أن معركة بناء الوعي وحصاد المردود الاقتصادي الثقافي في مصر لا تحتمل أنصاف الحلول فالقوة الناعمة المصرية هي حائط الصد الأول للأمن القومي والاستثمار في عقول الشباب وتحديث الترسانة التشريعية ليسا ترفاً فكرياً بل هما طوق النجاة لضمان سيادتنا الثقافية وتحويل تاريخنا إلى أصل مالي واقتصادي مستدام يضع مصر في مكانها الطبيعي بين مصاف الدول المتقدمة رقمياً واقتصادياً.