في تاريخ الأمم لحظات فارقة لا تتوقف عند حدود التغيير السياسي، وإنما تتحول إلى نقاط تحول تعيد صياغة مصير الدول والشعوب. وتبقى ثورة الثلاثين من يونيو 2013 واحدة من تلك اللحظات الاستثنائية في التاريخ المصري الحديث، حين خرج ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين دفاعاً عن دولتهم الوطنية، رافضين اختطافها أو جرها إلى مصير مجهول، وحين انحازت القوات المسلحة المصرية إلى إرادة الشعب، لتسطر مع المصريين ملحمة وطنية أنقذت الدولة وحمت المنطقة العربية بأكملها من موجة جديدة من الفوضى والانهيار.
لقد أدرك المصريون، بعد عام من حكم جماعة الإخوان، أن الدولة المصرية تواجه خطراً حقيقياً يهدد هويتها ومؤسساتها الوطنية. فقد سادت حالة من الاستقطاب الحاد والانقسام المجتمعي، وتزايدت المخاوف من محاولات تغيير طبيعة الدولة المصرية وإضعاف مؤسساتها، في وقت كانت فيه المنطقة العربية تشهد انهيار دول وجيوش وطنية عريقة، وتحول بعضها إلى ساحات للصراعات الأهلية والتدخلات الخارجية.
وفي تلك اللحظة الفارقة، خرجت الجماهير المصرية بالملايين في مشهد غير مسبوق، مطالبة بتصحيح المسار وإنقاذ الوطن. ولم يكن أمام القوات المسلحة، وهي المؤسسة الوطنية التي حملت عبر تاريخها مسؤولية حماية الدولة والشعب، سوى الانحياز إلى الإرادة الشعبية الجارفة. فجاء موقف الجيش المصري معبراً عن عقيدته الراسخة التي تؤكد أنه جيش الشعب، وأن مهمته الأولى هي حماية الوطن والحفاظ على وحدة أراضيه وسلامة مؤسساته.
لقد كان انحياز القوات المسلحة لثورة الشعب قراراً تاريخياً جنب مصر مصيراً مأساوياً. فلو انزلقت البلاد إلى دائرة الفوضى والصدام الأهلي، لكانت مؤسسات الدولة قد تعرضت لخطر التفكك والانهيار، ولأصبحت مصر ساحة جديدة للصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية، كما حدث في دول أخرى بالمنطقة.
وكانت العبقرية الحقيقية لموقف الجيش المصري تتمثل في أنه لم ينحز إلى تيار سياسي ضد آخر، بل انحاز للدولة الوطنية ولإرادة المصريين، ونجح في الحفاظ على وحدة الشعب ومنع انقسامه، وحمى مؤسسات الدولة من الانهيار، وأعاد الاستقرار إلى البلاد في واحدة من أكثر الفترات صعوبة في تاريخها المعاصر.
إن ثورة 30 يونيو لم تحمِ مصر وحدها، بل حافظت أيضاً على الأمن القومي العربي بمفهومه الشامل. فمصر ليست دولة عادية في محيطها العربي، بل هي القلب النابض للأمة العربية، وصمام الأمان لاستقرار المنطقة. ومن ثم فإن سقوط الدولة المصرية أو إضعاف جيشها كان سيؤدي إلى خلل استراتيجي هائل في موازين القوى الإقليمية، ويمنح قوى الفوضى والإرهاب فرصة ذهبية لاستكمال مخططاتها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحفاظ على الدولة المصرية كان في حقيقته حفاظاً على الأمن العربي كله. فمصر القوية والمستقرة كانت ولا تزال سداً منيعاً في مواجهة الإرهاب، وركيزة أساسية في حماية الأمن الإقليمي، وداعماً رئيسياً لاستقرار العديد من الدول العربية التي واجهت تحديات أمنية وسياسية جسيمة.
كما كشفت الأحداث عن حجم المخاطر التي كانت تهدد المنطقة، والمتمثلة في مخططات استهدفت إسقاط الدول الوطنية وتفكيك الجيوش النظامية وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط على أسس طائفية ومذهبية وعرقية. وقد أثبتت التجارب أن انهيار الجيوش الوطنية في بعض الدول فتح الباب أمام الميليشيات والتنظيمات المتطرفة والتدخلات الأجنبية، وأدى إلى تراجع مفهوم الدولة الوطنية لحساب الفوضى والصراعات الممتدة.
وفي هذا الإطار، وُجهت لجماعة الإخوان انتقادات واتهامات من خصومها بأنها كانت جزءاً من مشروع سياسي عابر للحدود، يتعارض مع مفهوم الدولة الوطنية التقليدية، وأنها سعت إلى تمكين تنظيمها على حساب مؤسسات الدولة. كما رأى كثيرون أن سياسات الجماعة خلال تلك المرحلة ساهمت في تعميق الانقسام الداخلي وإضعاف الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وهو ما كان ينذر بعواقب خطيرة على استقرار البلاد.
ومن هنا جاءت ثورة 30 يونيو لتعلن انتصار الدولة الوطنية المصرية، وانتصار فكرة أن الجيوش الوطنية القوية هي الضمانة الأساسية لبقاء الدول والحفاظ على وحدتها. لقد أثبتت مصر أن العلاقة بين الشعب وجيشه ليست علاقة عابرة، بل هي علاقة تاريخية متجذرة، تتجلى في أوقات المحن والأزمات الكبرى.
وبعد مرور سنوات على هذه الثورة المجيدة، تبدو الحقائق أكثر وضوحاً؛ فمصر التي أنقذها أبناؤها وجيشها في 30 يونيو استعادت استقرارها ومؤسساتها ودورها الإقليمي، بينما لا تزال دول أخرى تعاني من آثار الفوضى والانقسامات التي عصفت بها.
إن الدرس الأهم الذي قدمته ثورة 30 يونيو هو أن تماسك الشعب مع جيشه ومؤسسات دولته يمثل الحصن المنيع في مواجهة كل المؤامرات والتحديات، وأن الدولة الوطنية القوية هي الضمانة الحقيقية لحماية الأوطان والحفاظ على الأمن القومي العربي. ولهذا ستظل 30 يونيو يوماً خالداً في ذاكرة المصريين والعرب، يوماً انتصرت فيه إرادة شعب، وانحاز فيه جيش وطني عظيم إلى أمته، فأنقذ دولة بحجم مصر، وحمى منطقة بأكملها من السقوط في هاوية الفوضى والانهيار.