عاجل

في تاريخ الغناء المصري، هناك أصوات لم تنل المساحة التي حظي بها غيرها من الشهرة، لكنها تركت أثرًا لا يمكن تجاهله. أصوات ارتبطت بأعمال مهمة، وحملت جزءًا من وجدان مرحلة كاملة، ومن بينها صوت المطربة "زينب يونس "، التي ظل اسمها حاضرًا في ذاكرة الأغنية الوطنية من خلال مشاركتها في أوبريت "الأرض الطيبة " ، الذي ارتبط بأغنية "رجالة وطول عمر ولادك يا بلدنا رجالة." فليس كل فنان يقاس حضوره بعدد الأغنيات التي قدمها أو بحجم ظهوره الإعلامي، بل قد تكفي مشاركة واحدة في عمل صادق حتى يبقى صداها في وجدان الناس لعقود طويلة.
لم تكن الأغنية الوطنية في مراحل ازدهارها مجرد كلمات حماسية تُقال في مناسبة، بل كانت مشروعًا فنيًا متكاملًا يجمع بين الشعر والموسيقى والأداء، ويقدم صورة الإنسان المصري بكل ما يحمله من قيم العمل والصبر والانتماء. ومن هنا جاءت أهمية أوبريت " لأرض الطيبة"  الذي كتبه الشاعر الكبير حسين السيد، ولحنه موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وجمع عددًا من الأصوات الشابة آنذاك في عمل غنائي واحد حمل رسالة وطنية وإنسانية تتجاوز حدود المناسبة التي قُدم من أجلها. وقد جاء الأوبريت في سياق مرحلة كانت مصر تتطلع فيها إلى البناء واستعادة الثقة بعد سنوات الحرب، فجاءت رسالته داعية إلى العمل والإنتاج والتمسك بالأرض، باعتبارها أساس نهضة الوطن.
ولم يعتمد الأوبريت على بطل واحد أو نجم منفرد، بل قام على فكرة العمل الجماعي، حيث تكاملت الأصوات لتقدم لوحة غنائية تحتفي بالمصري البسيط؛ الفلاح والعامل والشاب الذي يحمل مسؤولية المستقبل. ولهذا ظل الأوبريت حاضرًا في ذاكرة محبي الأغنية الوطنية، لأن رسالته لم تكن موجهة إلى لحظة عابرة، بل إلى قيمة دائمة، هي أن قوة الوطن تنبع من أبنائه.
قراءة في صوت غاب عن الأضواء وبقي حاضرًا في الوجدان
كانت زينب يونس جزءًا من هذا المشهد الفني، بصوت يحمل ملامح المدرسة المصرية في الغناء؛ صوت قريب من الناس، يمتلك دفئًا وبساطة، ويعرف كيف يخدم العمل الذي يشارك فيه دون أن يبحث عن البطولة الفردية. ففي الأعمال الجماعية الكبرى لا تكون قيمة الفنان فقط في مساحة الغناء التي يحصل عليها، بل في قدرته على أن يكون جزءًا من النسيج العام للعمل، وأن يضيف إليه إحساسًا صادقًا يظل عالقًا في ذاكرة المستمع.
ولم تأتِ زينب يونس إلى الساحة الفنية مصادفة، فقد كان من أوائل من آمنوا بموهبتها الكاتب والباحث الكبير زكريا الحجاوي، أحد أبرز رواد اكتشاف الأصوات الشعبية ورعايتها في مصر. عُرف الحجاوي بقدرته على الوصول إلى المواهب الحقيقية خارج دوائر الشهرة، وأسهم في تقديم عدد من الفنانين الذين أصبحوا لاحقًا علامات في الغناء الشعبي والموسيقى المصرية، ولذلك كان اكتشافه لزينب يونس شهادة مبكرة على ما تمتلكه من خامة صوتية مميزة تستحق أن تُسمع.
ورغم أن اسمها ارتبط في أذهان كثيرين بأوبريت" الأرض الطيبة" ، فإن مسيرتها لم تقتصر على هذا العمل. فقد قدمت خلال مشوارها عددًا من الأغنيات الوطنية والعاطفية والدينية، وشاركت في حفلات وإذاعات وتسجيلات أظهرت قدرتها على التنقل بين أكثر من لون غنائي، كما تعاونت مع عدد من كبار الموسيقيين في فترة كانت المنافسة فيها شديدة، وكان البقاء فيها مرهونًا بامتلاك الموهبة الحقيقية قبل أي شيء آخر.
لقد ارتبطت أغنية "رجالة وطول عمر ولادك يا بلدنا رجالة" بوجدان أجيال عديدة، ليس فقط بسبب لحنها المميز وكلماتها التي تحتفي بالإنسان المصري، ولكن لأنها قدمت صورة رمزية للمواطن الذي يواجه الحياة بالعزيمة والعمل والإيمان بقيمة الأرض. وهي صورة كانت الأغنية المصرية في تلك المرحلة حريصة على ترسيخها؛ الإنسان قبل الحدث، والقيمة قبل الشعار. وربما لهذا السبب بقيت الأغنية تُستعاد في المناسبات الوطنية، وظلت قادرة على إثارة الشعور بالفخر والانتماء لدى أجيال لم تعاصر زمن إنتاجها.
وربما لم تصبح زينب يونس من الأسماء الأكثر تداولًا في تاريخ الغناء المصري، لكن هذا لا يعني أن تجربتها أقل أهمية. فذاكرة الفن لا تُبنى فقط على النجوم الذين تصدرت أسماؤهم المشهد، وإنما أيضًا على فنانين شاركوا في صناعة لحظات مؤثرة، وأسهموا في تشكيل وجدان الجمهور. فكثير من الأعمال الخالدة بقيت بفضل تكامل أصوات أصحابها، لا بفضل نجم واحد فقط.
لهذا تستحق تجربة زينب يونس أن تُستعاد من جديد، ليس بوصفها سيرة مطربة ظلمتها الشهرة، وإنما باعتبارها واحدة من الأصوات التي شاركت في كتابة صفحة مهمة من تاريخ الأغنية الوطنية المصرية. فالفن الحقيقي لا يقاس دائمًا بعدد الأضواء المسلطة على صاحبه، وإنما بقدرته على أن يبقى حاضرًا في الذاكرة، وأن يستعيده الناس كلما احتاجوا إلى أغنية تذكرهم بأن الوطن يُبنى بالعمل، وأن الأصوات الصادقة لا تغيب مهما مر عليها الزمن.
 

تم نسخ الرابط