كيف يؤثر الإعلام الرقمي على تربية الأبناء؟.. أستاذ بالأزهر يوضح
قال الدكتور محمد المهدي، الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف، إن المرحلة الأولى من تربية الطفل تُعد الأساس في بناء شخصيته وتشكيل وعيه، حيث تتكون فيها الإجابات الأولى عن الأسئلة الوجودية، ويتحدد فيها مسار إدراكه للحياة.
تراجع دور الأسرة في عملية البناء التربوي
وأوضح الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف، خلال لقائه ببرنامج "مع الناس"، المذاع على قناة الناس، أن الإشكالية الحالية تكمن في أن هذه المرحلة الحساسة أصبحت تتأثر بشكل كبير بالإعلام الرقمي، وهو ما أدى إلى تراجع دور الأسرة في عملية البناء التربوي.
وأشار إلى أن الأسرة كانت المصدر الأساسي لتشكيل الوعي وغرس القيم والانتماء، لكن مع الانفتاح الرقمي ظهرت مصادر أخرى تنافسها، ما انعكس على تراجع دور القدوة داخل البيت، وضعف التأثير التربوي المباشر.
الانتماء للأسرة
وأكد أن الانتماء يُعد عنصرًا رئيسيًا في تكوين الهوية، بداية من الانتماء للأسرة ثم للوطن، موضحًا أن هذا الشعور يتأثر بعمق عندما تتراجع أدوار التربية التقليدية، ويحل محلها محتوى رقمي قد لا يحمل نفس القيم.
وأضاف أن من أخطر التحولات ظهور "القدوة الرقمية"، حيث أصبح الأطفال يتأثرون بشخصيات افتراضية بدلًا من النماذج الحقيقية كالنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وأهل الصلاح، مشددًا على أن استخدام الوسائل الحديثة جائز، لكن لا بد من تحقيق التوازن بين الشكل والمضمون في بناء وعي الأجيال.
وأكد الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر الشريف، أن تربية الأبناء كانت ولا تزال مهمة صعبة في كل الأزمنة والعصور، مشيرًا إلى أن هذه الصعوبة لا تقتصر على غير المتعلمين فقط، بل تمتد أيضًا إلى المثقفين والمتخصصين أنفسهم، الذين يواجهون تحديات ومشاق كبيرة في تربية أبنائهم.
زيادة ملحوظة في صعوبات التربية
وأوضح، خلال حلقة برنامج "راحة نفسية"، المذاع على قناة الناس، في وقت سابق، أن العصر الحالي شهد زيادة ملحوظة في صعوبات التربية، ما أدى إلى حالة من الحيرة التربوية لدى كثير من الأسر، حيث يتساءل البعض: هل نربي أبناءنا كما تربينا نحن، أم نتبع أساليب التربية الحديثة والإيجابية؟ لافتًا إلى أن هناك من يميل إلى عزل الأبناء عن المجتمع لحمايتهم من التأثيرات السلبية، بينما يرى آخرون ضرورة انخراطهم في الواقع لاكتساب الخبرة والتعامل مع مختلف أنماط البشر.
وأضاف أن الجدل يمتد أيضًا إلى استخدام وسائل التكنولوجيا، فهناك من يدعو إلى منعها تمامًا حفاظًا على وعي الأطفال، في حين يرى آخرون أن ذلك قد يجعل الطفل معزولًا وغير مدرك لما يدور حوله، ما يعرضه للاستغلال أو الخداع.
التعلم الحقيقي يأتي من خوض التجربة
وأشار المهدي إلى وجود اتجاهين متباينين في نقل الخبرات، فبعض الآباء يفضلون تعليم أبنائهم من تجاربهم الشخصية لتجنب الأخطاء، بينما يرى آخرون أن التعلم الحقيقي يأتي من خوض التجربة بشكل مباشر، مؤكدًا أن هذه التناقضات تساهم في زيادة الحيرة لدى الأسر.
وبيّن أن هذه الأزمة ليست محلية فقط، بل عالمية، حيث تشير العديد من الدراسات إلى تزايد مشكلات الأطفال والصراعات داخل الأسر خلال السنوات الأخيرة، نتيجة غياب منهج تربوي واضح ومتكامل.
وأكد أن النصائح التربوية المنتشرة عبر وسائل الإعلام المختلفة، سواء التقليدية أو الرقمية، رغم كثرتها، فإنها لا تشكل منهجًا علميًا متماسكًا، بل قد تكون متعارضة أحيانًا، ما يزيد من ارتباك الآباء بين الدعوة إلى الحزم والانضباط من جهة، ومنح الحرية والاستقلال من جهة أخرى.
وشدد على أهمية تبني منهج علمي مبسط قائم على الدراسات والأبحاث، يساعد الأسر على فهم أسس التربية بشكل متوازن، بعيدًا عن التضارب في التوجيهات.
شخصية الطفل تبدأ مبكرًا منذ اللحظة الأولى
وأكد على أن تكوين شخصية الطفل يبدأ مبكرًا جدًا، منذ اللحظة الأولى لاختيار الأب والأم لبعضهما، حيث يقوم هذا الاختيار على معايير مختلفة مثل الأخلاق أو الدين أو المال أو المكانة الاجتماعية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على القيم الأساسية التي تُبنى عليها الأسرة، وتُشكّل اللبنة الأولى في تكوين شخصية الأبناء.