بعد هجر قصر باكنجهام.. أين سيعيش ملك وملكة بريطانيا؟
أكد القصر الملكي أن الملك تشارلز والملكة كاميلا سيبقيان في مقر إقامتهما الحالي "كلارنس هاوس"، حتى بعد الانتهاء من أعمال التجديد الشاملة لقصر باكينجهام الكوموني.
وكشف موقع “إل بي سي” البريطاني، أنه لن ينتقل الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا للإقامة في قصر باكينجهام، وسيستمران في العيش بمقرهما المفضل "كلارنس هاوس"، حتى بعد أن يخضع المقر الرسمي للملكية لعملية ترميم وتجديد ضخمة تُقدر تكلفتها بنحو 369 مليون جنيه إسترليني.
ويعد "كلارنس هاوس" واحدًا من أشهر المقار الملكية في بريطانيا، ويقع بالقرب من شارع "ذا مال" الشهير في مدينة وستمنستر بالعاصمة لندن. يمثل هذا القصر العريق المقر الرئيسي لإقامة الملك تشارلز الثالث في لندن منذ عام 2003، وقد شيِد بين عامي 1825 و1827 ليكون مسكنًا لدوق كلارنس—الذي اعتلى العرش لاحقًا باسم الملك وليام الرابع.

يتألف القصر من أربعة طوابق وتكتسي واجهته بطلاء فاتح اللون، وعلى مر العقود، خضع المبنى لعمليات إعادة ترميم وتجديد واسعة النطاق، لا سيما بعد تعرضه لأضرار جسيمة جراء القصف الجوي الألماني المكثف خلال الحرب العالمية الثانية؛ الأمر الذي جعل الهيكل الأصلي الذي صممه المعماري الشهير "جون ناش" يتلاشى تقريبًا ولم يتبقَ منه سوى القليل.
يصنف القصر اليوم ضمن الفئة الأولى (Grade I) في قائمة التراث الوطني لإنجلترا نظير قيمته التاريخية والمعمارية الاستثنائية، ويفتح القصر أبوابه لاستقبال الزوار والسياح لمدة شهر تقريبًا كل صيف، وعادة ما يكون ذلك في شهر أغسطس.
الوفاء للتقاليد: تشارلز الثالث على خطى وليام الرابع

على خطى سلفه الملك وليام الرابع، اختار الملك تشارلز الثالث البقاء في "كلارنس هاوس" بعد اعتلائه العرش. وفي عام 2026، أعلن الملك والملكة كاميلا رسميًا أن القصر سيظل مقر إقامتهما الرئيسي، مع استمرار استخدام قصر باكينجهام المجاور لإقامة الفعاليات والمناسبات الرسمية فقط.
ويمتلك الملك تشارلز ارتباطًا عاطفيًا وتاريخيًا بهذا القصر منذ طفولته المبكرة؛ إذ كان المقر الرسمي لوالدته الأميرة إليزابيث، قبل أن تعتلي العرش وتصبح الملكة إليزابيث الثانية عام 1952، وفي الفترة الممتدة من عام 1953 حتى وفاتها عام 2002، أصبح القصر مقرًا لإقامة جدة تشارلز، الملكة إليزابيث (الملكة الأم).
السجل التاريخي: من شقق "هنري الثامن" إلى صرح "جون ناش"
شُيِّد القصر بين عامي 1825 و1827 بناءً على تصاميم وضعها المعماري "جون ناش"، وقد أُقيم فوق موقع كانت تشغله شقق سكنية تعود إلى القرن السادس عشر، بُنيت في عهد الملك الشهير هنري الثامن، وتولى دوق كلارنس التكليف ببناء القصر، وهو الدوق الذي أصبح في عام 1830 الملك وليام الرابع ملك المملكة المتحدة (واستمر حكمه حتى عام 1837).
وقد فضل وليام الرابع الانتقال إلى هذا القصر الجديد بدلًا من الإقامة في قصر "سانت جيمس" المجاور؛ إذ كان يرى في هذا المبنى التودوري الأخير طرازًا قديمًا ومساحة ضيقة لا تلائم تطلعاته.
وحتى بعد تنصيبه ملكًا، أصر على البقاء في "كلارنس هاوس" رافضًا الانتقال إلى قصر باكينجهام، وأمر المعماري جون ناش بإنشاء ممر مباشر يصل قصر كلارنس بأجنحة الدولة في قصر "سانت جيمس" ليتمكن من إدارة الشؤون الملكية الرسمية من هناك.

يتميز موقع القصر، الذي شيد على أراضي تابعة للمجمع الملكي، بإطلالته الساحرة على المساحات الخضراء وشارع "ذا مال"، ويقع بمحاذاة طريق "ستابل يارد"، الذي تقع وراءه مباشرةً دار "لانكستر هاوس" العريقة.
تعاقب الأجيال الملكية على القصر
بعد رحيل الملك وليام الرابع، انتقلت ملكية القصر إلى شقيقته الأميرة أوجوستا صوفيا. وعقب وفاتها في عام 1840، آل القصر إلى والدة الملكة فيكتوريا، الأميرة فيكتوريا (دوقة كينت).
وفي عام 1866، أصبح القصر مقرًا لإقامة الابن الثاني للملكة فيكتوريا، الأمير ألفريد (دوق إدنبرة)، وظل يسكنه حتى وفاته في عام 1900.
ثم انتقل الحق في استخدام القصر إلى الابن الثالث للملكة فيكتوريا، الأمير آرثر (دوق كونوت وستراثرن)، من عام 1900 وحتى وفاته في عام 1942، وخلال فترة إقامته، وتحديدًا في ثلاثينيات القرن الماضي، شغل القصر لفترة وجيزة مكتبة "مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية" (SOAS)، وذلك حتى جرى إخلاء جميع جامعات لندن في عام 1939 مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، ونقلت المدرسة مؤقتًا إلى جامعة كامبريدج.
لماذا يصر الملك تشارلز على البقاء في "كلارنس هاوس"؟
تشير التقارير إلى أن الملك تشارلز يشعر بارتباط عاطفي شديد ومنزلية حقيقية داخل "كلارنس هاوس"، ولا يرغب في حزم أمتعته والانتقال إلى قصر باكينجهام، على الرغم من وجود عرف تقليدي يقضي بإقامة الملوك هناك.
وأوضح بيان صادر عن القصر أن هذا القرار يهدف بالأساس إلى فتح أبواب قصر باكينجهام بشكل أكبر أمام السياحة والجمهور. وقال متحدث باسم القصر: "يحتفظ جلالة الملك بمودة هائلة لقصر باكينجهام واحترام عميق لدوره في الحياة الملكية والعامة، وسيبقى القصر خلية نحل تعج بالأنشطة الملكية الرسمية من كافة النواحي".
التاريخ يجيب: هل الملك تشارلز هو أول ملك لا يعيش في قصر باكينجهام؟
الإجابة لا لأن قصر باكينجهام يمتد تاريخه إلى القرن السابع عشر، لكنه لم يصبح المقر الرسمي للحكم إلا في عام 1837 عندما اعتلت الملكة فيكتوريا العرش لتكون أول ملكة تحكم وتقيم فيه بشكل رسمي.
ومع ذلك، شهد التاريخ محطات لم يكن فيها القصر الخيار الأول للملوك بعد وفاة زوج الملكة فكتوريا الأمير ألبرت عام 1861، ابتعدت فيكتوريا عن القصر ولم تقض فيه الكثير من الوقت، حيث كان القصر يمثل مشروعاً مشتركاً وذكراً عاطفية تتقاسمها مع زوجها الراحل.
ورغم أن الملكة إليزابيث الثانية كانت تباشر مهامها الرسمية من قصر باكينجهام وتعيش في الشقق الواقعة في جانبه الشمالي، إلا أنه كان من المعروف والمشاع عنها أنها تفضل دائماً العيش والاستقرار في قلعة ويندسور وغيرها من العقارات الملكية الريفية الأكثر هدوءاً.