ماذا تظن نفسك أيها الإنسان؟
مهما بلغت من إنجازات لم يبلغها غيرك، ومهما اكتنزت من أموال، ومهما حصلت من علوم ومعارف وشهادات، ومهما أحاط بك الأصدقاء والعائلة، وارتفع حسبك ونسبك، وتقلدت المناصب، وعلا شأنك في مجتمعك... هل تظن نفسك قويًا؟
قد يتوهم الإنسان اليوم أنه قادر على إخضاع الطبيعة لإرادته، وتسخير التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي لتحقيق أهدافه، وأنه استطاع أن يخترق الفضاء ويطلق الأقمار الصناعية التي ترصد كل ما يجري على كوكب الأرض ، لكنه في المقابل، قد ينهار أمام كلمة جارحة، أو يعجز عن تجاوز موقفٍ يمس كرامته، أو يقف حائرًا أمام أزمة لا يحسن تدبيرها ، وقد يمتلك الأرصدة الضخمة والعقارات والممتلكات، لكنه يقف عاجزًا أمام دمعة طفل، أو مرض عزيز، أو فراق حبيب.
لقد وصف القرآن الكريم هذه الحقيقة وصفًا بالغ الدقة حين قال: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾. إنه ضعفٌ لا ينتقص من قيمة الإنسان، ولا يعد عيبًا في أصل خلقته، وإنما هو تذكير دائم بمحدودية قدرته، وأنه بشرٌ لا إله، وأن الكون لا يسير وفق هواه مهما امتلك من أسباب القوة.
فالإنسان ضعيف أمام المرض، مهما تقدمت علوم الطب والدواء، وضعيف أمام الزمن، مهما أخفى الشيب بالأصباغ، أو التجاعيد بالتدخلات الجراحية، وضعيف أمام الموت الذي لا يستأذن أحدًا، ولا يفرق بين غني وفقير، ولا بين وزير وغفير .
بل إن رحلة الإنسان في الحياة تدور بين ضعفٍ وقوةٍ ثم ضعف، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾.
يبدأ الإنسان حياته طفلًا لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ثم يبلغ مرحلة الشباب والقوة، لكنها مرحلة عابرة، لا تلبث أن تنقضي ليعود إلى ضعف الشيخوخة، في دورةٍ تذكره دائمًا بأن القوة الدائمة ليست من صفات البشر.
فالحياة إذن كما وصف الشاعر العربي الأندلسي أبو البقاء الرندي ( 1204-1285م) في قصيدته رثاء الأندلس :
لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمَّ نُقصانُ
فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ
هِيَ الأُمورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ
مَن سَرَّهُ زَمَنٌ ساءَتهُ أَزمانُ
ورغم ما حققته الحضارة الحديثة من إنجازات مبهرة، فإنها لم تستطع أن تنزع القلق من القلوب، ولا أن تمنع الاكتئاب، ولا أن توقف الشيخوخة، ولا أن تؤخر الموت، بل ربما زادت الإنسان شعورًا بالوحدة حين ظن أن الآلة يمكن أن تحل محل الروح، وأن الذكاء الاصطناعي يغني عن الحكمة، وأن كثرة وسائل الاتصال تعني بالضرورة عمق العلاقات.
وإذا كان الإنسان ضعيفًا في أصل خلقته، فإنه قويٌّ حين يتواضع، وعظيمٌ حين يعترف بحدوده، وأقوى ما يكون حين يمد يديه إلى السماء، مستعينًا برب الأرض والسماء ، فليس العيب أن تكون ضعيفًا، وإنما العيب أن تتوهم أنك مستغن عن الله .
إن أجمل ما في الإنسان ليس قوته الجسدية، ولا مكانته الاجتماعية، ولا رصيده في البنوك، وإنما تلك اللحظة التي يدرك فيها أنه عبدٌ لله، وأن قوته مستمدة من خالقه، وأن كل ما بين يديه إنما هو أمانة مستردة ، وأنه عبد لإله قوي يدبر أموره .