لم تعد أزمة التدفقات غير الشرعية واختراق الحدود الجنوبية مجرد قضية نزوح إنساني أو عبء اقتصادي واجتماعي تئن منه المدن والمحافظات المصرية بل تطور المشهد بمتغيرات متسارعة خطيرة مست مباشرة سيادة الدولة وثرواتها الاستراتيجية في العمق.. ففي كواليس الصحراء الشرقية والمثلث الحدودي الوعر وتحديداً في جبال حلايب وشلاتين والمناطق الغنية بعروق الكوارتز الحاضنة للمعدن الأصفر تدير الدولة المصرية مواجهة صارمة وحاسمة ضد نوع جديد من التهديدات يقوده ما يُعرف بعصابات "الدهّابة" و"قراصنة الذهب" العابرة للحدود.
هذه المجموعات التخريبية التي تمارس التعدين العشوائي والنهب المنظم للذهب المصري لم تقف عند حدود الجريمة الاقتصادية بل تمادت لتتحول إلى كارتيلات تندرج تحت تصنيف الجريمة المنظمة الدولية بكل أركانها الأمنية والقانونية، مهددة الأمن القومي للبلاد.
الرصد الدقيق لطبيعة نشاط هؤلاء الوافدين يكشف أننا لسنا بصدد أفراد عاديين يبحثون عشوائياً عن الرزق بمطارق بدائية بل إن العمليات تحولت إلى شبكات منظمة ومسلحة تتميز بالاندماج في شبكات التهريب الدولي ووجود تحالف وثيق بين لصوص الذهب وشبكات الجريمة المنظمة التي تدير مسارات التهريب في منطقة الساحل والصحراء وشرق إفريقيا.. هذا التحالف جعل خطوط الإمداد تعمل بكفاءة تبادلية خطيرة حيث يتم تهريب الذهب المصري المستخرج بشكل غير قانوني للخارج ليدخل في دورة غسيل أموال لتمويل صراعات إقليمية.. وفي المقابل تُستغل ذات المدقّات الجبلية في الاتجاه المعاكس لإدخال شحنات الأسلحة المهربة والمواد المخدرة.
كما أصبحت هذه العصابات وسيطاً أساسياً لتسهيل وتأمين تسلل الآلاف من طالبي الهجرة غير الشرعية والوافدين من دول القرن الإفريقي إلى العمق المصري مقابل مبالغ مالية طائلة مما يغذي حالة الاحتقان والرفض الشعبي الكاسح للوجود الأجنبي غير المقنن في الشارع.
السمة الأبرز التي نقلت هذا الملف إلى تصنيف الجريمة المنظمة الدولية هي امتلاك تلك العصابات للقدرة على العنف ومحاولة فرض السطوة السافرة في مواجهة سلطة الدولة وقوانينها.. فلم يعد هؤلاء اللصوص يفرون عند رصد الأجهزة الأمنية لهم، بل تحولوا إلى تشكيلات شبه عسكرية تمتلك عتاداً حديثاً وسيارات دفع رباعي مجهزة ومسلحة .. وبادروا في عدة مواقف بإطلاق النار والاشتباك العنيف مع دوريات حرس الحدود المصري لحماية سرقاتهم ومواصلة نهب الثروات المستباحة.
هذا التبجح لم يقف عند حدود السلاح بل وصل ببعض منصاتهم وأصواتهم التابعة لهم عقب تضييق الخناق عليهم عسكرياً إلى إطلاق مطالبات بوقف التصدير والتعامل الاقتصادي مع مصر في محاولة لابتزاز الدولة والضغط عليها لترك حدود الجنوب ساحة مفتوحة لسرقاتهم.. متناسين أنهم يخترقون حدود دولة ذات سيادة ويسرقون مقدرات شعب آواهم ووفر لهم ملاذاً آمناً.
الربط التحليلي والأمني هنا يكشف بعداً أكثر خطورة حيث توفرت مؤشرات قوية تؤكد استغلال ملف "الدهّابة" كستار وغطاء لتسلل عناصر تخريبية تابعة لميليشيا الدعم السريع في السودان .. فالتحقيقات والمواجهات الأخيرة أثبتت أن المجموعات التي تهاجم المناطق الجبلية تضم مقاتلين مدربين عسكرياً يتحركون بتكتيكات منظمة .. ومع تضييق الخناق المالي على تلك الميليشيات في الداخل السوداني بسبب الحرب وجهت أذرعها للاختراق ومحاولة التمركز في جبال البحر الأحمر لسرقة الذهب وتحويل عوائده لتمويل عملياتها العسكرية وشراء السلاح مع محاولة خلق بؤرة توتر أمني على الحدود الجنوبية لمصر لابتزاز الدولة المصرية والضغط على قرارها السياسي الداعم للمؤسسات الشرعية والجيش الوطني السوداني.
وأمام هذا المشهد الذي يمس جوهر الأمن القومي لم تقف الدولة المصرية مكتوفة الأيدي بل وضعت استراتيجية مجابهة صارمة تقوم على عدة محاور أولها المواجهة العسكرية المباشرة (عقيدة الردع) فصدرت الأوامر الحاسمة لقوات حرس الحدود والمنطقة الجنوبية العسكرية بالتعامل مع هذه العصابات والميليشيات وشن حملات تطهيرية واسعة أسفرت عن تدمير آبار التعدين العشوائي والقبض على المهربين وتدمير مركباتهم ومصادرة أدواتهم بالكامل لقطع خطوط إمدادهم بالوقود والمؤن..
بالإضافة إلى المواجهة الاقتصادية والتشريعية حيث جرى تجفيف منابع الاقتصاد غير الرسمي من خلال تقنين أوضاع التنقيب وتأسيس شركات وطنية كبرى مثل "شركة شلاتين للثروة المعدنية" لفرض حراسة مستمرة وتحويل المناطق لامتيازات رسمية.. مع تظهير ذلك بتعديلات تشريعية مغلظة تفرض السجن ومصادرة وجوبية للمعدات.
إن الرسالة التي خطّها الجيش المصري في الجبال الجنوبية كانت واضحة وصريحة "الحدود المصرية خط أحمر.. وثروات هذا البلد ليست كلأ مباحاً للصوص وقراصنة الجريمة الدولية".
وإذا كان الكرم المصري والضيافة المفتوحة قد فهما خطأ من بعض الفئات والوافدين على أنه ضعف أو تهاون يتيح لهم استباحة الأرض والبلطجة وتصدير العشوائية والمظلومية المزيفة فإن تصاعد الوعي الشعبي والتحرك الأمني القاطع يثبتان أن الصبر قد نفد .. وأن وقت الحسم الكامل قد حان لإعادة ضبط ملف التواجد الأجنبي في مصر بالكامل وطرد كل من لا يحترم القانون حماية لأمن الوطن وحق المواطن المصري في مقدرات بلاده.