الشيخ عبد الرحمن الشربيني.. من محراب الزهد إلى مشيخة الأزهر
يظل الثاني عشر من محرم 1323هـ/1905م، شاهدا على حدث بارز بمشبخة الأزهر الشريف، حين تولى الإمام الزاهد والعالم الجليل الشيخ عبد الرحمن الشربيني، قيادة مشيخة الأزهر الشريف.
كان ذلك التعيين محط أنظار العلماء والطلاب والحكام، إذ اجتمع فيه ثقل المنصب مع شخصية اتسمت بالزهد والتقوى، في وقت كانت فيه مصر تعيش جدلًا بين المحافظة على التراث والانفتاح على تيارات الإصلاح.
المولد والنشأة
وُلد الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الشربيني في قرية شربين، ولم يُعرف تاريخ مولده بدقة. غير أن سيرته المبكرة تكشف عن نشأة في بيئة ريفية متدينة، حيث عُرف منذ صغره بالصلاح والزهد، مما أكسبه احترام أساتذته وزملائه.
تلقى علومه في الأزهر الشريف، حيث برز ميله إلى التعمق في المصادر التراثية الكبرى. وقد تميز بقدرة على الفهم الدقيق للمسائل المعقدة، مما أهّله للتدريس في الأزهر. هناك، لفت الأنظار بعلمه الغزير وتواضعه، وتمسكه بالتقاليد العلمية الموروثة، مع إجلاله لشيوخه.
تولي المشيخة
حين أصدر الخديوي عباس حلمي قراره بتعيينه شيخًا للأزهر، كان الشيخ الشربيني مترددًا، إذ اعتاد الزهد والابتعاد عن المناصب. غير أن الخديوي رأى في شخصيته فرصة لتعزيز سلطته على الأزهر، فاحتفل بتوليه وألقى خطبة شدّد فيها على أن الأزهر مدرسة دينية قبل كل شيء.
لكن مرض الشيخ حال دون استمراره طويلًا، فانتُدب الشيخ محمد شاكر قائمًا بالأعمال حتى استقال الشربيني في ذي الحجة 1324هـ/1907م، ليعود الشيخ حسونة النواوي إلى المشيخة مرة ثانية.
مؤلفاته العلمية
كان الشيخ الشربيني متعمقا في الدراسات الدينية، متمرسًا بأساليب المراجع القديمة، فاهمًا لمشكلاتها، وكان يحمل الطلبة على التعمق في أصول أمهات الكتب، ودراسة هذه المصنفات، حرصًا منه على تخريج علماء بارعين، ومع غزارة علمه إلا أنه لم يصنف كثيرًا ... ومن مؤلفاته:
- تقرير على حاشية البناني على شرح المحلى على جمع الجوامع للسبكي (أصول فقه).
- تقرير على حاشية ابن قاسم على شرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري لمتن البهجة الوردية (الفقه الشافعي).
- تقرير على حاشية عبد الحكيم على شرح السيالكوني لشرح القطب على الشمسية في المنطق.
الفجر الأخير
توفي الشيخ عبد الرحمن الشربيني سنة 1334هـ/1926م، بعد أن ترك أثرًا خالدًا في محراب الأزهر، حيث جمع بين الزهد والعلم، وبين المحافظة على التراث ومواجهة تحديات عصره. ورغم قصر فترة مشيخته، ظل اسمه شاهدًا على مرحلة دقيقة في تاريخ الأزهر الشريف.