عاجل

في تاريخ الأمم لحظات فارقة لا تقتصر أهميتها على تغيير السلطة أو تبدل المشهد السياسي، وإنما تمتد آثارها إلى إعادة صياغة مسار الدولة ومستقبلها. 

ومن بين هذه اللحظات تبرز ثورة الثلاثين من يونيوعام  2013 باعتبارها واحدة من أهم المحطات في التاريخ المصري الحديث، بعدما مثلت ثورة شعبية استعادت بها الدولة المصرية توازنها، وصححت مسار المرحلة الانتقالية التي أعقبت ثورة الخامس والعشرين من يناير، وأطلقت مشروعًا وطنيًا شاملًا لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز استقرارها واستعادة دورها الإقليمي والدولي. 

وبعد أكثر من عقد على انطلاقها ، أصبح تقييم هذه الثورة قائمًا على نتائجها الملموسة التي انعكست على مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ورسخت مكانة مصر كدولة قادرة على حماية أمنها القومي وصياغة مستقبلها بإرادة وطنية مستقلة.

أولًا: لماذا اندلعت ثورة 30 يونيو؟

لم تكن ثورة 30 يونيو حدثًا مفاجئًا، وإنما جاءت نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية ومجتمعية خلال العام الذي أعقب وصول جماعة الإخوان الإرهابية إلى الحكم. 

فقد شهدت البلاد حالة غير مسبوقة من الاستقطاب والانقسام السياسي، وتزايدت المخاوف من محاولات السيطرة على مؤسسات الدولة وإعادة تشكيلها وفق اعتبارات تنظيمية، وهو ما أثار قلق قطاعات واسعة من المصريين على هوية الدولة الوطنية.

وجاء الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، وما تبعه من أزمات سياسية وقانونية، ليزيد من حدة الاحتقان، بالتزامن مع حصار المحكمة الدستورية العليا وتصاعد أعمال العنف السياسي.

كما واجه الاقتصاد المصري تراجعًا حادًا انعكس في انخفاض معدلات الاستثمار والسياحة، وتراجع الاحتياطي النقدي، وارتفاع معدلات البطالة، فضلًا عن أزمات الوقود والكهرباء والسلع الأساسية التي أثرت بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين.

وفي ظل هذه الأوضاع، نجحت حملة "تمرد" في جمع ملايين التوقيعات المطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، قبل أن يخرج ملايين المصريين في مختلف المحافظات يوم 30 يونيو، في واحدة من أكبر الحشود الشعبية في التاريخ الحديث، مطالبين بتصحيح مسار الدولة والحفاظ على مؤسساتها.

ثانيًا: استعادة الدولة الوطنية وبناء المؤسسات

شكلت ثورة 30 يونيو نقطة الانطلاق نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة المصرية ،  فقد أُعلنت خارطة طريق واضحة تضمنت إعداد دستور جديد، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، واستكمال مؤسسات الدولة الدستورية، بما أعاد الاستقرار إلى الحياة السياسية بعد سنوات من الاضطراب.

وأعاد دستور 2014 تنظيم العلاقة بين السلطات، ورسخ مبادئ المواطنة وسيادة القانون واستقلال المؤسسات، بينما شهدت الدولة تطويرًا واسعًا للأجهزة التنفيذية والإدارية، إلى جانب إطلاق الحوار الوطني والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، بما يعكس سعي الدولة إلى تطوير الحياة السياسية وتعزيز المشاركة المجتمعية في إطار الحفاظ على استقرار الدولة الوطنية.

ثالثًا: الاقتصاد... من إدارة الأزمات إلى البناء والتنمية

يمكن القول إن التحول الاقتصادي هو أحد أبرز النتائج التي أعقبت ثورة 30 يونيو،  فقد تبنت الدولة برنامجًا شاملًا للإصلاح الاقتصادي استهدف معالجة الاختلالات الهيكلية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز الاستقرار المالي، بالتوازي مع تنفيذ أكبر خطة للتنمية العمرانية والبنية الأساسية في تاريخ مصر.

وشهدت البلاد تنفيذ المشروع القومي للطرق والكباري، وإنشاء العاصمة الجديدة، ومدن الجيل الرابع، وتطوير شبكة الموانئ والمناطق اللوجستية، إلى جانب مشروع قناة السويس الجديدة والمنطقة الاقتصادية للقناة، بما عزز من قدرة مصر على جذب الاستثمارات وزيادة تنافسية الاقتصاد الوطني.

وفي قطاع الطاقة، تحولت مصر من دولة تعاني عجزًا حادًا في الكهرباء إلى دولة تمتلك فائضًا في الإنتاج، كما حققت الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي بعد اكتشاف حقل "ظهر"، وأصبحت مركزًا إقليميًا لتجارة وتداول الطاقة في شرق المتوسط، وهو ما عزز مكانتها الاقتصادية والإستراتيجية.

رابعًا: التنمية الاجتماعية... المواطن في قلب عملية البناء

لم يقتصر مشروع الدولة بعد 30 يونيو على الاقتصاد، وإنما امتد ليشمل الإنسان المصري باعتباره محور التنمية. ومن هذا المنطلق، أطلقت الدولة مشروع "حياة كريمة"، الذي يمثل أكبر مبادرة لتطوير الريف المصري، من خلال تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية ورفع جودة الحياة في آلاف القرى.

كما توسعت برامج الحماية الاجتماعية، وعلى رأسها "تكافل وكرامة"، وتم القضاء على المناطق غير الآمنة، والتوسع في مشروعات الإسكان الاجتماعي، إلى جانب إطلاق مبادرات صحية غير مسبوقة، نجحت في القضاء على فيروس "سي"، والكشف المبكر عن الأمراض المزمنة، وبدء تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، فضلًا عن تعزيز تمكين المرأة والشباب في مختلف مواقع صنع القرار.

خامسًا: الأمن القومي... هزيمة الإرهاب وترسيخ الاستقرار

واجهت الدولة المصرية بعد ثورة 30 يونيو تحديات أمنية جسيمة، تمثلت في تصاعد العمليات الإرهابية ومحاولات استهداف مؤسسات الدولة. إلا أن القوات المسلحة والشرطة نجحتا، من خلال عمليات نوعية متواصلة، وفي مقدمتها العملية الشاملة 2018، في القضاء على البنية الرئيسية للتنظيمات الإرهابية في سيناء، وتأمين الحدود، واستعادة الاستقرار، وهو ما وفر البيئة المناسبة لاستمرار التنمية وجذب الاستثمارات.

سادسًا: عودة الدور الإقليمي المصري

أعادت ثورة 30 يونيو لمصر دورها المحوري في محيطها العربي والإفريقي والشرق أوسطي. فقد أصبحت القاهرة لاعبًا رئيسيًا في جهود وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ونجحت في رعاية مفاوضات التهدئة، وتبادل المحتجزين، وتقديم المساعدات الإنسانية، بما رسخ مكانتها باعتبارها الطرف الأكثر تأثيرًا في القضية الفلسطينية.

وفي ليبيا، لعبت مصر دورًا حاسمًا في الحفاظ على وحدة الدولة الليبية، ومنع تمدد التنظيمات الإرهابية، وكان إعلان "سرت – الجفرة خط أحمر" نقطة تحول في حماية الأمن القومي المصري والعربي.

كما استعادت مصر حضورها داخل القارة الإفريقية، من خلال رئاسة الاتحاد الإفريقي عام 2019، وتعزيز التعاون مع دول القارة، ومواصلة الدفاع عن الحقوق المائية المصرية في ملف سد النهضة عبر المسارات السياسية والقانونية والدبلوماسية.

سابعًا: مكانة دولية أكثر تأثيرًا

شهدت السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات التالية لثورة 30 يونيو تحولًا نوعيًا، قائمًا على تنويع الشراكات الدولية وتحقيق التوازن في العلاقات مع مختلف القوى العالمية، بما عزز استقلالية القرار الوطني.

كما أصبحت مصر شريكًا رئيسيًا في جهود مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، واستضافت مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP27، وانضمت إلى تجمع "بريكس"، وأصبحت مركزًا إقليميًا للطاقة، بما يعكس تزايد الثقة الدولية في قدرات الدولة المصرية ومكانتها السياسية والاقتصادية.

خاتمة

بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا، لم تعد ثورة 30 يونيو مجرد مناسبة وطنية لاستحضار الذكريات، بل أصبحت محطة تاريخية يمكن تقييمها في ضوء ما أفرزته من نتائج ملموسة. فقد استعادت الدولة المصرية استقرارها، وأعادت بناء مؤسساتها، وأطلقت أكبر مشروع تنموي في تاريخها الحديث، ورسخت مفهوم الدولة الوطنية القادرة على حماية أمنها وتحقيق التنمية واستعادة دورها الإقليمي والدولي.

لقد أثبتت التجربة أن الثورات الحقيقية لا تُقاس فقط بما تُحدثه من تغيير في لحظة تاريخية، وإنما بما تؤسسه من مستقبل للأجيال القادمة. ومن هذا المنظور، ستظل ثورة الثلاثين من يونيو علامة فارقة في التاريخ المصري الحديث، باعتبارها الثورة الشعبية التي أعادت تصحيح المسار، وأرست دعائم الجمهورية الجديدة، وفتحت أمام مصر آفاقًا أوسع للبناء والتنمية والاستقرار، في عالم تتزايد فيه التحديات وتتعاظم فيه أهمية الدولة الوطنية القوية والقادرة.

تم نسخ الرابط