عاجل

من أكثر ما يثير التأمل في شخصية السيدة زينب، عقيلة بني هاشم، أنها عاشت سنوات طويلة في غاية الستر والحياء، حتى إن من جاوروها قرابة عشرين عامًا قالوا: "ما سمعنا لها صوتًا، ولا رأينا لها خيالًا." كانت مثالًا للوقار والعفة، لا تكاد تُعرف بين الناس، وكأنها اختارت أن يكون حضورها في الخفاء.
لكن الرجال والنساء العظام لا تُعرف حقيقتهم في أوقات الرخاء، وإنما تكشفهم المحن. فلما وقعت فاجعة كربلاء، ونزل البلاء بأهل بيت النبوة، تحولت تلك المرأة الهادئة إلى صوتٍ مدوٍّ في وجه الظلم، وإلى لسانٍ بليغ يهز عروش الطغاة، دون أن تفقد حياءها أو وقارها.
وفي الكوفة، وقف الناس أمام خطبتها مبهورين. يقول حِذْيَمُ الأسدي:
"لَمْ أَرَ وَاللَّهِ خَفِرَةً قَطُّ أَنْطَقَ مِنْهَا، كَأَنَّهَا تُفْرِغُ عَلَى لِسَانِ عَلِيٍّ، وَقَدْ أَشَارَتْ إِلَى النَّاسِ أَنْ أَنْصِتُوا، فَارْتَدَّتِ الْأَنْفَاسُ، وَسَكَنَتِ الْأَجْرَاسُ."
وكان أثر كلماتها بالغًا حتى قال بعض من حضر:
"بِأَبِي وَأُمِّي، كُهُولُهُمْ خَيْرُ كُهُولٍ، وَنِسَاؤُهُمْ خَيْرُ نِسَاءٍ، وَشَبَابُهُمْ خَيْرُ شَبَابٍ، وَنَسْلُهُمْ نَسْلٌ كَرِيمٌ، وَفَضْلُهُمْ فَضْلٌ عَظِيمٌ."
ثم مضت مع موكب السبايا إلى الشام، وهناك وقفت في مجلس يزيد بن معاوية وقفةً خلدها التاريخ، لتبدد نشوة النصر الزائف بكلمات أصبحت من أشهر الخطب في التراث الإسلامي، فقالت:
"كِدْ كَيْدَكَ، وَاجْهَدْ جُهْدَكَ... فَوَاللَّهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَلَا تُمِيتُ وَحْيَنَا..."
كانت كلماتها إعلانًا واضحًا أن القوة العسكرية قد تهزم الأجساد، لكنها لا تستطيع أن تهزم المبادئ، ولا أن تمحو ذكر أهل البيت من قلوب المؤمنين.
وبعد رحلة الأسر والآلام، عادت السيدة زينب إلى المدينة المنورة، تحمل جراحًا لا تُحصى. ويُنقل أنها وقفت عند قبر أمها السيدة فاطمة الزهراء، وقالت في كلمات تقطر ألمًا:
"يا أُمَّاه، رَجَعْنَا وَقُلُوبُنَا مَقْرُوحَةٌ، وَجُفُونُنَا مِنَ الْبُكَاءِ مَجْرُوحَةٌ، وَرِجَالُنَا مَقْتُولَةٌ، وَأَمْوَالُنَا مَنْهُوبَةٌ."
ولم تصمت بعد ذلك، بل ظلت تروي للناس ما جرى في كربلاء، وتحفظ للأمة ذاكرة المأساة، حتى ضاق بها بنو أمية، فكان خروجها من المدينة، لتختار مصر محطةً أخيرة في رحلتها المباركة، حيث احتضنها أهلها بالمحبة والإجلال، وظل مقامها منارةً يقصدها المحبون عبر القرون.
سلامٌ على السيدة زينب، صاحبة الذكرى الخالدة، العالمة غير المُعلَّمة، والفاهمة غير المُفهَّمة؛ التي ورثت عن أبيها الإمام علي شجاعته وفصاحته، وعن أمها السيدة فاطمة رقتها وحياءها، وعن أخويها الحسن والحسين روح التضحية والفداء، فاستحقت أن تبقى رمزًا للصبر والعزة، وصوتًا للحق لا يخبو صداه عبر الزمان.

تم نسخ الرابط