تأتي بعض الأيام في تاريخ البشرية حاملةً رسالةً تتجاوز حدود الزمان والمكان، فتغدو ذكرى للإنسانية كلها، لا لطائفةٍ دون طائفة، ولا لأمةٍ دون أمة. ويوم عاشوراء واحد من هذه الأيام الخالدة؛ يوم نجَّى الله فيه نبيَّه موسى عليه السلام ومن معه، وأهلك فرعون وجنوده، فصار يومًا لانتصار الحق على الباطل، والإيمان على الطغيان.
ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وجد اليهود يصومون هذا اليوم، فسألهم عن سبب صيامهم، فقالوا: هذا يومٌ نجَّى الله فيه موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا لله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«نَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ».
إن هذا الموقف النبوي البديع يعلِّمنا درسًا حضاريًّا عظيمًا؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يمنعه وجود اليهود في المدينة من الاعتراف بأصل المناسبة، دون النظر إلي ما سيظنه بعض ضعاف النفوس .. بل ولم يدفعه هؤلاء إلى إنكار فضل موسى عليه السلام أو تجاهل ذكرى نجاته صلي الله عليه وسلم، بل أعلن صلي الله عليه وسلم بكل وقد ومحبة وعلو همة أن المسلمين أولى بموسى؛
لأنهم يؤمنون به نبيًّا كريمًا، ويوقرونه، ويجعلونه أحد أولي العزم من الرسل .. وليس كما يسوق له بعض المتطرفين ممن يزعمون ان النبي قال هذا مكايدة أو غضبا أو مثل لك .. وأبسط دليل علي إفك هؤلاء فيما يدعونه
قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾.
لقد علَّمنا عاشوراء أن الاختلاف في المعتقد لا يستلزم الكراهية، وأن التعايش لا يعني التنازل عن العقيدة، وأن المسلم يستطيع أن يحافظ على ثوابته الدينية ولا يعنينا كمسلمين من أهل سنة رسول الله بعض مظاهر الاحتفال المتطرفه التي يفعلها بعض المتطرفون في يوم عاشوراء.
فالفيصل بين الناس في ا في احتفالهم هذا هو الاعتدال وعدم المبالغة والمغالاه والتطرف في هذا الاحتفال.
فلقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين، فبهذا نجمع بين ثبات العقيدة ومشروعية الاحتفال بهذا اليوم الذي يبدا بصيامه مرورا بادخال السرور والبهجة على اهل بيت كل مسلم لا سيما الفقراء منهم
ومن أجل هذه المعاني العظيمة كان لصيام عاشوراء فضل كبير، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ».
إن عاشوراء ليس مجرد يومٍ نصومه في شهر المحرم في اول السنة الهجرية ، بل هو مدرسةٌ نتعلم فيها الوفاء بكافة صوره بدءا من الوفاء للأنبياء جميعًا، والانتماء إلى ميراثهم، والفرح بنصر الله لعباده المؤمنين، وحتي احترام الإنسان وإن اختلف معنا، والتأكيد على أن الرحمة والعدل والمحبة هي الجسور التي تبني المجتمعات وتجمع القلوب.
وهكذا يبقى عاشوراء شاهدًا على أن الإسلام دينٌ يجمع ولا يفرِّق، ويبني ولا يهدم، ويُعلِّم أبناءه أن يكونوا أوفياء للحق، رحماء بالخلق، مؤمنين بأنبياء الله جميعًا، سائرين على هديهم إلى يوم الدين.