تمثال "رمسيس الثاني" في كيتو: أيقونة الفن الفرعوني بقلب الإكوادور
يعد تمثال "عملاق رمسيس الثاني بممفيس" أحد أبرز معالم الفن العام في العاصمة الإكوادورية كيتو. يربض هذا الصرح التاريخي في "ساحة مصر" بمنطقة "إل كوندادو"، حيث تتلاقى ثلاثة محاور مرورية رئيسية (أفينيدا دي لا برينسا، أوكسيدنتال، ومانويل كوردوفا غالارثا) شمال العاصمة، وتحديداً عند نقطة انطلاق الطريق المؤدي إلى معلم "منتصف العالم" الشهير، ويمثل هذا المعلم إحدى نسختين متطابقتين فقط في العالم أجمع للتمثال الأصلي المعروض في المتحف المصري الكبير بالقاهرة.
افتتح السفير تامر ممدوح، سفير جمهورية مصر العربية لدى الإكوادور، “ميدان مصر” في العاصمة كيتو، وذلك عقب الانتهاء من أعمال تطويره وإعادة تأهيله، التي نُفذت بالتعاون بين الهيئة العامة لصندوق تمويل مباني وزارة الخارجية بالخارج وبلدية كيتو.
وشهدت مراسم الافتتاح حضور فرناندا راسينيس، إلى جانب عدد من السفراء المعتمدين لدى الإكوادور، وأبناء الجالية المصرية والعربية، وكبار مسؤولي البلدية.

وأكد السفير المصري، في كلمته خلال الافتتاح، أن تدشين “ميدان مصر” يأتي ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز علاقات الصداقة والتعاون بين مصر والإكوادور، مشيرًا إلى أن الميدان لا يقتصر على كونه مساحة عامة، بل يمثل رمزًا للتقارب الحضاري والثقافي بين الشعبين.
كما أعرب عن تقديره لبلدية كيتو وجميع الجهات التي أسهمت في تنفيذ المشروع، مثمنًا الجهود التي أدت إلى إخراجه بالشكل اللائق الذي يعكس مكانة العلاقات بين البلدين.
محطات تاريخية: من معبد "بتاح" إلى المتحف الكبير
يعود أصل هذه المنحوتة إلى "تمثال ممفيس العملاق" البالغ طوله 12 متراً، والذي يجسد أحد أشهر فراعنة مصر القديمة. واكتُشف التمثال الأصلي عام 1820 على يد الرحالة الإيطالي "جوفاني كافيجليا" في الجانب الجنوبي من معبد "بتاح" الأثري في ممفيس، عاصمة الدولة القديمة. وبعد محاولة فاشلة لنقله إلى المتحف البريطاني في لندن، ظل التمثال مستلقياً بجوار المعبد لمدة 130 عاماً.

وفي عام 1954، قامت الحكومة المصرية بنقل التمثال على أجزاء إلى ميدان "باب الحديد" أمام محطة قطار القاهرة، والذي تغير اسمه منذ ذلك الحين إلى "ميدان رمسيس"، حيث أُعيد تجميعه وترميمه بعناية فائقة. وفي عام 2017، نُقل التمثال في رحلته الأخيرة ليستقر في بهو الاستقبال الرئيسي بالمتحف المصري الكبير بالجيزة، ليكون أول مستقبلي زوار الفضاء المتحفي الأحدث عالمياً.
أما النسخة المستقرة في كيتو، فجاءت كهدية توأمة قُدمت عام 2016 من قِبل سفارة جمهورية مصر العربية لدى الإكوادور (ممثلة بالسفير عبد المنعم عمر في ذلك الوقت) بالتعاون مع وزارة الآثار وهيئة التنشيط السياحي المصرية، وبالتنسيق مع الشركة العامة للمطارات والبلدية والحركة والأشغال العامة (EPMMOP) التابعة لبلدية كيتو.
وانطلقت الرحلة في 30 نوفمبر 2016، عندما أعلن عمرو الطيبي، مدير وحدة نماذج الآثار بوزارة الآثار المصرية، عن إهداء نسخة طبق الأصل من العملاق إلى مدينة كيتو، لتبدأ رحلتها البحرية الطويلة في اليوم نفسه، وتصل إلى العاصمة الإكوادورية يوم الخميس 19 يناير 2017.
واستغرقت عملية تثبيت التمثال على قاعدته ثلاثة أيام (من 23 إلى 25 enero 2017). وتولت شركة (EPMMOP) تصميم وتجهيز الساحة المحيطة بطابع مصري خالص يضم أشجار النخيل ومجسمات تحاكي أهرامات الجيزة. وقد أثار هذا المشروع حينها ردود أفعال متباينة في الأوساط الثقافية والمجتمعية بين مؤيد لوجود هذا المعلم الأممي، ومعارض يرى فيه تهميشاً لثقافات الشعوب الأصليين بالبلاد.
الوصف الفني والمعماري للهرم الصغير
تتميز منحوتة كيتو بأنها واحدة من نسختين فريدتين عالمياً للتمثال الأصلي؛ إذ تقع النسخة الأخرى في حي مصر الجديدة (هليوبوليس) العريق بالقاهرة، وعلى الرغم من أن نسخة كيتو أصغر حجماً – حيث يبلغ ارتفاعها 6 أمتار مقارنة بـ 12 متراً للأصل المصمت – إلا أن القاعدة الخرسانية الحاملة لها تضيف إليها مترين إضافيين.
وقد بلغت تكلفة صناعة هذا التمثال نحو 35 ألف دولار أمريكي، واستغرق العمل عليه شهرين كاملين بأيدي حِرفيين مهرة في وحدة صناعة النماذج الأثرية بوزارة الآثار المصرية.
ونحت التمثال من قطعة من ال[رانيت الطبيعي المعزز بالبوليستر والألياف الزجاجية (الفيبر جلاس) لضمان ديمومته ومقاومته للظروف المناخية الخاصة بالعاصمة الإكوادورية، قبل أن يُنقل بحراً في رحلة استغرقت شهرين.
الخصائص الفنية للتمثال

يجسد التمثال الملك "وسر ماعت رع ستب إن رع" المعروف عالمياً باسم "رمسيس الثاني"، ثالث فراعنة الأسرة التاسعة عشرة، والذي حكم مصر لـ 66 عاماً (بين 1279 و1213 قبل الميلاد).
ويتبع التمثال القواعد الجمالية الصارمة للفن المصري القديم؛ حيث صُمم ليدرك الناظر أبعاده من المواجهة الأمامية (السمتية)، متسماً بالوقار والصلابة الحركية (الهيراتيّة) عبر ذراعين ممدودتين وجذع مستقيم ممتد للقدم اليسرى نحو الأمام. كما حرص النحاتون على إبراز الملامح الواقعية الدقيقة لوجه الفرعون، مع تفاصيل الإكسسوارات الجنائزية والتاج واللحية المستعارة.

وعلى مساحة قدر بـ 11,700 متر مربع، قامت السفارة المصرية بالتعاون مع بلدية كيتو باستثمار 120 ألف دولار لإعادة تصميم الدوار المروري الذي سمي "ساحة مصر".
ولم يقتصر تصميم المهندس المعماري "راؤول رودريجيز" على بناء مجسمات مصغرة لأهرامات الجيزة الثلاثة (خوفو، خفرع، ومنقرع)، بل صمم الممرات والحدائق المحيطة لتشكل من الأعلى مشهداً هندسياً بديعاً يجسد "عين حورس" الأسطورية، وهي الرمز الشهير للحماية والقوة في الأيقوغرافية الفرعونية المرتبطة بملوك مصر القدامى.