نظرا لأهمية الموضوع وتشابك عناصره نعرض للسردية التالية :-
أولا : مقدمة التأسيس لعهد استثماري جديد:
لم يكن إقرار اللائحة التنفيذية المحدثة لتملك غير السعوديين للعقار مجرد تعديل تشريعي عابر في المنظومة القانونية للمملكة العربية السعودية بل هو وثيقة إعلان تاريخية تؤرخ لولادة بيئة استثمارية فائقة الجاذبية والتنافسية ويمثل هذا القرار نقلة هيكلية تهدف إلى تسييل الأصول الجغرافية للمملكة وتحويل القطاع العقاري من مخزن تقليدي للقيمة إلى محرك ديناميكي دافع للنمو ومستقطب لرؤوس الأموال الأجنبية والعقول العالمية وذلك في إطار هندسة استراتيجية شاملة يقودها الأمير الشاب محمد بن سلمان ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء صانع ملامح السعودية الحديثة.
ثانيا: الأمير محمد بن سلمان: إرادة التغيير وصراع مع التاريخ
في قراءة متأنية لفلسفة الحكم والإدارة لدى الأمير محمد بن سلمان يبرز بوضوح وعي استراتيجي عميق بحتمية الزمن وصيرورة التاريخ وتنطلق رؤية سموه من معادلة صارمة أن :"عجلة التاريخ تتحرك بسرعة فائقة ومن لا يلحق بها اليوم سيتجاوزه الزمن غداً ويتلاشى أثره" ومن هذا المنطلق، لم يكتفِ الأمير الشاب بالموارد المالية الضخمة والموقع الجغرافي الفريد للمملكة كعوامل قوة راكدة بل تم توظيف الإمكانات البشرية الهائلة وبث سموه في شرايين الدولة طاقة متجددة وقوة إرادة صلبة ترتكز على الشغف بالمنافسة الإقليمية والدولية والرغبة العارمة في جعل السعودية نموذجاً عالمياً ملهماً قادت سموه إلى تطوير البنى الاقتصادية التقليدية واستبدالها بنماذج مرنة وجريئة قادرة على مقارعة وتجاوز أكثر النماذج الاقتصادية نجاحاً في العالم.
ثالثا : السباق الإقليمي والدولي من اللحاق بالركب إلى قيادة الطليعة
تدرك القيادة السعودية بحس استراتيجي ثاقب حجم وتيرة التطور المتسارعة التي شهدتها الدول المجاورة في العقود الأخيرة لا سيما في مجالات البنية التحتية وجذب الاستثمارات والانفتاح الاقتصادي ولم تكن السعودية يوماً بمنأى عن هذا الحراك إلا أن الطموح الجديد لـ "مهندس الطفرة" لم يتوقف عند حدود محاكاة تلك التجارب أو إحداث تطور مماثل لها فحسب بل تمثل الهدف الأسمى في صياغة نموذج سعودي فريد يتفوق عليها ريادةً وعمقاً واستدامة.
إن فتح باب التملك العقاري للأجانب يعد أحد الأسلحة التنافسية التي تسحب البساط الاستثماري نحو الرياض معتمدة على عمق وقوة السوق السعودي وضخامة المشروعات الكبرى (مثل نيوم والقدية ومشروع البحر الأحمر) التي تمنح العقار قيمة استثمارية تصاعدية يصعب لأي سوق إقليمي آخر مجاراتها.
رابعا : ارتقاء مستوى المواطن: الثمرة والهدف
إن أي قرار اقتصادي في فكر الأمير محمد بن سلمان لا يقاس نجاحه إلا بمدى انعكاسه الإيجابي على حياة المواطن السعوديفحسب حيث شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعاً غير مسبوق في جودة الحياة ومستوى المعيشة للمواطنين مدفوعاً ببرامج التنمية والتوظيف والابتكار ويأتي قرار تملك الأجانب ليصب مباشرة في هذا المجرى حيث يؤدي تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى رفع معايير التطوير العقاري وتوفير بنية تحتية حديثة وتوفير فرص عمل نوعية ومتعددة للشباب السعودي في قطاعات الهندسة والتقنية والتمويل والتشغيل. وبذلك، يتحول الاستثمار الأجنبي إلى أداة تزيد من رفاهية المواطن وتضمن استدامة الرخاء الاقتصادي للأجيال القادمة.
خامسا الجذب الروحي والوعي المعيشي: بوصلة العالم العربي والإسلامي
تمتلك المملكة العربية السعودية ميزة نسبية روحية وجغرافية لا يشاركها فيها أحد في العالم وهي احتضان الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة وهذا البعد الروحي يولد رغبة عارمة ومستدامة لدى الملايين من العرب والمسلمين للعيش في رحاب هذه الأرض الطاهرة ومع تحول السعودية إلى واحة للأمن والاستقرار وبيئة تقدم حياة مريحة وعصرية تتوفر فيها أعلى مستويات الرعاية الصحية والتعليمية والترفيهية أصبح قرار السماح بالتملك العقاري فرصة ذهبية طال انتظارها إن هذا القرار يمكن المستثمرين والراغبين من شعوب العالم الإسلامي من دمج متعة العيش الآمن والمريح بفرصة القرب من الأماكن المقدسة وأداء المناسك بيسر مما يضمن تدفقاً مستداماً لرؤوس الأموال ذات الطابع الروحي الطويل الأجل.
سادسا : التطور الثقافي: الموازنة بين العصرنة والأصالة
لقد راهن الكثير من المراقبين الدوليين على أن الانفتاح الاقتصادي السريع واستقطاب المجتمعات الدولية قد يهدد الهوية الوطنية للمملكة إلا أن التجربة السعودية تحت قيادة ولي العهد أثبتت خطأ هذه الفرضيات ونجحت المملكة في هندسة تحول ثقافي واجتماعي واعٍ استطاع استيعاب تطورات العصر وأساليب الحياة الحديثة وفتح الأبواب لعشاق الاستثمار من كل حدب وصوب دون المساس بالثوابت الدينية الراسخة أو القيم الثقافية العربية الأصيلة للمجتمع السعودي.
إن هذا المزيج الفريد بين "الأصالة والمعاصرة" شكّل هالة من الاحترام والجاذبية للمملكة حيث يجد الأجنبي مجتمعاً مضيافاً ومحافظاً على هويته وفي الوقت ذاته مرناً ومنفتحاً على التعددية الإنسانية.
سابعا: من الريعية إلى اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي
شكل الوعي السعودي بالتحول التكنولوجي العالمي العمود الفقري للرؤية الوطنية فلم تعد الثروة تقاس بحجم الموارد الطبيعية الكامنة في باطن الأرض كالنفظ والغاز بل بمدى القدرة على ولوج "اقتصاد المعرفة" القائم على البيانات والذكاء الاصطناعي ومن هنا، لم يعد العقار في السعودية مجرد كتل إسمنتية بل تحول إلى "عقار ذكي" يدار عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية المستدامة التي تعتمد على الطاقة النظيفة والبيانات الضخمة لتسهيل حياة المواطنين كما إن سرعة تحويل الاقتصاد السعودي من نمط خدمي ريعي يعتمد على الإنفاق الحكومي والموارد النفطية إلى اقتصاد إنتاجي منافس وتصديري هو المرتكز الأساسي لهذا القرار إذ يسهم جذب الاستثمارات العقارية في توجيه السيولة نحو الابتكار التكنولوجي والصناعات المتقدمة وتصدير الخدمات التقنية واللوجستية للعالم.
ثامنا : لغة الأرقام قراءة إحصائية في طفرة الاستثمار الأجنبي المتوقعة
لا تدع لغة الأرقام مجالاً للشك في أن قطاع العقارات بالمملكة بات الملاذ الاستثماري الأبرز عالمياً وتنعكس هذه الطفرة الهيكلية بوضوح في المؤشرات الإحصائية الحالية والتوقعات المستقبلية التي ترسم ملامح نمو غير مسبوق:
- تضخم القيمة السوقية للعقار: تُقدر القيمة الإجمالية لـ سوق العقارات في السعودية بنحو 72.84 مليار دولار أمريكي (ما يعادل 273.15 مليار ريال سعودي) وتشير التوقعات المبنية على الإصلاحات التشريعية الأخيرة إلى قفزة استثنائية لتصل إلى 102.96 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2031 بمعدل نمو سنوي مركب متسارع يبلغ 7.17%
- الزخم القياسي للتدفقات الأجنبية: أنهت المملكة الفترات الربعية الأخيرة بزخم استثماري لافت حيث قفز صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 48.4 مليار ريال سعودي مسجلاً نمواً كبيرا بنسبة 90% على أساس سنوي وهذا التنامي القوي يعكس الثقة الدولية الراسخة في البيئة التشريعية الجديدة التي هندسها سمو ولي العهد.
- المستهدف الاستراتيجي الطموح: يخدم قرار السماح للأجانب بالتملك المباشر للعقار استراتيجية المملكة الأوسع المتمثلة في استقطاب تدفقات مستدامة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة لتصل إلى مستهدف 100 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030 ويرى بعض الاقتصاديين أن تسييل الأصول العقارية والمدن الذكية الجديدة مثل "نيوم" سيكون الرافعة الأساسية لتحقيق هذا الرقم.
- سيولة ضخمة وحجم صفقات متنامي: سجل السوق العقاري في فترات الرصد الأخيرة تنفيذ ما يزيد عن 216,000 صفقة عقارية تجاوزت قيمتها الإجمالية حاجز 167 مليار ريال سعودي ومع إطلاق منصة "عقارات السعودية" الرقمية لاستقبال طلبات التملك الأجنبي بيسر فمن المتوقع أن يسهم الطلب الخارجي الجديد في رفع حجم الصفقات بنسبة تتراوح بين 15% إلى 20% خلال العامين القادمين.
هذا، ومن يتأخر عن ركب التاريخ يخسر المستقبل والعالم يتحرك اليوم بسرعة غير مسبوقة والثورات التكنولوجية والاقتصادية لا تمنح الدول رفاهية الانتظار ومن لا يلحق بعجلة التاريخ يجد نفسه خارج المنافسة خلال سنوات قليلة.
ويبدو أن الأمير محمد بن سلمان يدرك هذه الحقيقة بوضوح فالمملكة تمتلك اليوم مزيجاً نادراً من الموارد المالية الضخمة والموقع الاستراتيجي الفريد والقاعدة السكانية الشابة والبنية التحتية الحديثة والإرادة السياسية القادرة على تنفيذ التحولات الكبرى لذلك فإن قرار السماح بتملك الأجانب للعقار لا يمثل مجرد إصلاح عقاري بل يعد جزءاً من مشروع حضاري واقتصادي واسع يستهدف إعادة تموضع السعودية بين القوى الاقتصادية الكبرى في القرن الحادي والعشرين وإذا استمرت وتيرة الإصلاح الحالية بالمستوى نفسه من الطموح والتنفيذ فإن المملكة لن تكتفي بمواكبة التحولات العالمية بل قد تصبح أحد أهم النماذج التنموية المؤثرة في المنطقة والعالم خلال العقود القادمة.
وفى الختام، نؤكد أن قرار السماح بتملك الأجانب للعقار في السعودية هو كلمة السر في فك شفرة المستقبل الاستثماري للمنطقة وأنه تجسيد حي لرؤية القائد الشاب الذي تسلح بالوعي التاريخي والمقدرة المادية والبشرية ليعلن أن المملكة لا تقبل بغير الصدارة مكاناً ومن خلال هذا القرار تؤكد السعودية أنها لم تعد تكتفي بمراقبة التاريخ وهو يُصنع بل إنها تقود دفة صناعته متمسكة بهويتها ومحلقة بأجنحة المعرفة والذكاء الاصطناعي نحو آفاق عالمية لا تعرف المستحيل.