المستشار الألماني يعلق على خطاب الكراهية: لست حساسًا تجاه الإهانات الشخصية
أعرب المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن أسفه لتزايد حدة الخطاب على منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدا أنه لم يقدم أي بلاغات قضائية بشأن الإهانات التي تعرض لها عبر الإنترنت منذ توليه منصبه، وذلك في وقت تشهد فيه ألمانيا جدلا واسعا حول مستقبل قانون خاص يجرم إهانة السياسيين.
وقال ميرتس، خلال حوار مع المواطنين بمناسبة اليوم المفتوح للحكومة الألمانية، إنه توقف عن اللجوء إلى القضاء في مثل هذه القضايا، موضحا: “منذ أن أصبحت في المنصب، لم أقدم أي بلاغ”، وأضاف أن النيابات العامة في ألمانيا تتولى في كثير من الأحيان متابعة الإساءات الموجهة إلى السياسيين من تلقاء نفسها.
وأكد المستشار الألماني أنه لا يعتبر نفسه حساسا تجاه الإهانات الشخصية، قائلا: “إذا دعاني أحدهم أحمق، فليفعل، أنا لا أوافق على ذلك لكنه لا يشكل جريمة”، لكنه في الوقت نفسه حذر من تصاعد العنف اللفظي في الفضاء الرقمي، معتبرا أن مستوى الخطاب العام بات يثير القلق.

ميرتس وقانون تجريم إهانة السياسيين في ألمانيا
وأبدى ميرتس انفتاحه على مناقشة تعديل المادة 188 من قانون العقوبات الألماني، التي تمنح حماية خاصة للشخصيات العامة من الإهانات والتشهير، مشيرا إلى أن الإشكالية تبدأ عندما لا يكون الهجوم موجها إلى الشخص ذاته، بل إلى المنصب الذي يشغله والدور الذي يؤديه في الحياة العامة.
وجاءت تصريحات المستشار بعد أيام من تقرير نشرته صحيفة "فيلت أم زونتاغ"، كشف أنه تقدم بآلاف البلاغات القضائية منذ عام 2021 بسبب الإهانات التي تعرض لها، واصفاً إياه بأنه "من أكثر السياسيين حساسية في تاريخ الجمهورية الاتحادية".
وتشهد ألمانيا نقاشا متصاعدا بشأن إمكانية إلغاء المادة 188 من قانون العقوبات، بعدما أثارت عدة قضايا جدلا واسعا حول حدود حرية التعبير.
ويتيح القانون معاقبة من يدان بالتشهير أو الإساءة إلى شخصية منخرطة في الحياة السياسية العامة بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات إذا تسببت الجريمة في عرقلة نشاطه السياسي بشكل كبير، إلا أن أغلب الأحكام الصادرة في هذا الإطار انتهت بفرض غرامات مالية.
وكانت برلين قد شددت القانون عام 2021 في أعقاب اغتيال السياسي المحافظ فالتر لوبكه عام 2019، بما يسمح للنيابات العامة بملاحقة هذه الجرائم حتى دون تقديم السياسي المتضرر شكوى رسمية.

وتأتي هذه المناقشات في ظل ارتفاع ملحوظ في الجرائم المرتبطة باستهداف السياسيين، ووفق إحصاءات نشرتها هيئة الإذاعة العامة الألمانية "إيه آر دي"، سجلت الشرطة 5140 جريمة ضد ممثلين سياسيين وأعضاء أحزاب خلال عام 2025، مقارنة بـ3690 جريمة في 2024 و2790 جريمة في 2023.
وأثارت عدة قضايا اتهامات للحكومة بالمبالغة في تطبيق القانون. ففي عام 2024 خضع منزل متقاعد يبلغ من العمر 64 عاماً للتفتيش بعدما وصف وزير الاقتصاد الألماني السابق روبرت هابيك بـ"الأحمق" على وسائل التواصل الاجتماعي.
ورغم أن النيابة العامة استندت إلى المادة 188 لتبرير الإجراءات، فإن القضية تضمنت أيضاً استخدام رموز يمينية متطرفة محظورة، ما زاد من الجدل السياسي والإعلامي حولها.
ودفع ذلك عددا من السياسيين للمطالبة بإلغاء القانون أو تعديله، من بينهم رئيس الكتلة البرلمانية للاتحاد الديمقراطي المسيحي ينس شبان، الذي قال إن القانون أوجد انطباعاً لدى الرأي العام بأن "أصحاب النفوذ وضعوا لأنفسهم قانونا خاصا".
كما انتقد عضو البرلمان الأوروبي عن حزب الخضر إريك ماركوارت منح السياسيين حماية قانونية استثنائية، معتبرا أن الإساءات التي يتعرض لها السياسيون لا تختلف من حيث المبدأ عن تلك التي قد يتعرض لها أي مواطن آخر.

وفي إحدى القضايا المثيرة للجدل، فرضت السلطات الألمانية غرامة قدرها ألفا يورو على مستخدم لموقع فيسبوك بعدما وصف ميرتس بـ"فريتز الكاذب"، في حين قرر مدعون عامون في قضية أخرى عدم ملاحقة شخص وصف المستشار بـ"بينوكيو"، معتبرين أن ذلك يندرج ضمن حرية التعبير المكفولة دستورياً.
في المقابل، يدافع الحزب الاشتراكي الديمقراطي عن الإبقاء على المادة 188. وقالت المتحدثة باسم الحزب لشؤون السياسة العدلية في البرلمان الألماني كارمن فيغه إن الهدف من القانون هو التصدي لحملات الكراهية المنظمة ضد السياسيين، ولا سيما المسؤولين المحليين والمتطوعين الذين باتوا يواجهون ضغوطاً وتهديدات متزايدة.
وأضافت أن السياسيين المحليين يشكلون "ركيزة الديمقراطية" في ألمانيا، محذرة من أن تصاعد الإساءات والتهديدات قد يدفع كثيرين إلى العزوف عن خوض العمل السياسي.
وأظهر استطلاع للرأي أجراه معهد "فورسا" ونُشرت نتائجه مطلع يونيو الجاري أن 58% من الألمان يؤيدون الإبقاء على المادة 188، مقابل 38% يفضلون إلغاءها.
وخلال اجتماع عقده وزراء العدل في الحكومة الاتحادية والولايات الألمانية الأسبوع الماضي، طُرحت عدة مقترحات لتعديل القانون أو إلغائه بالكامل، قبل أن يتوصل المجتمعون إلى صيغة وسط تقضي بحصر تطبيق المادة 188 على الإهانات الموجهة إلى السياسيين على المستوى المحلي.
ومن المنتظر أن يحسم البوندستاغ مستقبل المادة 188 خلال الفترة المقبلة، في نقاش يعكس التوازن الدقيق بين حماية المسؤولين المنتخبين من حملات الكراهية وضمان حرية التعبير في أكبر اقتصاد أوروبي.



