عاجل

الشيخ محمد الطيب الرئيس السادس لجامعة الأزهر مؤسس مستشفى الزهراء الجامعي

الشيخ محمد الطيب
الشيخ محمد الطيب

أصدرت جامعة الأزهر أول كتاب يجمع السير الذاتية لرؤسائها البالغ عددهم ثمانية عشر رئيسًا على مدار خمسة وستين عامًا، ونستعرض في السطور التالية سيرة سادس رئيس لجامعة الأزهر وهو الشيخ محمد الطيب النجار، مؤسس مستشفى الزهراء الجامعي.

سادس رئيس لجامعة الأزهر الشيخ محمد الطيب

عاش الرئيس السادس لجامعة الأزهر الشيخ محمد الطيب حسن حسين النجار، في أسرة مشتهرة الذكر، معروفة القدر، لها مكانتها عند الناس، سليل بيت علِم؛ فوالده الشيخ الطيب المولود في القرن الـ 18 عام 1892م، أستاذ للتفسير، أصوليٌّ، لغويٌّ، أديبٌ، وعضو في هيئة كبار العلماء، وتأثر الشيخ محمد الطيب بشيخه عبد العزيز عبد الحق، وكان ذلك معروفًا بحبه وإجادته لعلم التاريخ، وإحسانه اللغة الإنجليزية والإيطالية.

ولد الشيخ محمد الطيب عام 1916م في (عزبة النجار) بمحافظة الشرقية، ألحقه والده بكتاب قريته، فحفظ القرآن وأحسن تجويده، ثم التحق بمعهد الزقازيق، وحصل على شهادته الثانوية عام 1935م.

والتحق الشيخ محمد الطيب بكلية أصول الدين بالقاهرة، وتخرج فيها سنة 1939م، حاصلًا على الشهادة العالية، وعقب تخرجه في الكلية تقدم إلى مسابقة لتعيين أئمة ووعاظ جدد، وكان من أوائل الناجحين، فعمل خطيبًا في مسجد (الغوري)، وتزوج الشيخ في هذه الفترة، واستكمل دراسته في تخصص التاريخ الإسلامي؛ وكان يميل إلى القراءة الأدبية؛ لتأثير شيخه عبد العزيز عبد الحق عليه في حبه للتاريخ ودراسته.

ولما بدت رغبة الشيخ محمد الطيب في التحاقه بقسم التاريخ الذي كان شغوفًا به منذ صغره اعترض على هذه الرغبة الدكتور عيسى مَنُّون، عميد كلية أصول الدين في وقتها، وأجابه الشيخ: قد يكون للكلام في الفوائد الظاهرة لفنِّ التاريخ مجالٌ، ولكنَّ باطنه تعليل للكائنات ومبادئها، وعلم بكيفية الوقائع وأسبابها، وكثيرًا ما كان العلم بما كان وسيلة للوقاية من زلات ما سيكون، على أنه مُستخلَص العِبَر، وفي العلم به معرفةٌ للنتائج من أشباهها؛ فإنَّ الأمور نظائر، وليس تحت الشمس جديد؛ والتحق الشيخ بالقسم، وأبلى فيه بلاء حسنًا، وحاز درجة التخصص عام 1946م.

وانتقل الشيخ محمد الطيب بعدها للعمل بمعهد الإسكندريَّة الديني، ومكث فيه عامين من (1946م) إلى سنة (1948م)، ثم انتقل الشيخ إلى معهد القاهرة وظل فيه نحوًا من عشر سنين، ثم صدر القرار عام 1960م بنقله إلى كلية اللغة العربية بالقاهرة اعتبارًا من 1 مارس 1961م،  ثم سافر للعمل بجامعة بغداد من عام 1963م إلى عام 1966م، ثم عاد إلى كلية اللغة العربية، وترقى فيها حتى عمل رئيسًا لقسم التاريخ والحضارة الإسلامية في عام 1973م، ثم صدر الأمر عام 1976م بالموافقة على إعارته للسعودية، فظل بها حتى عاد وتسلم عمله في كلية اللغة العربية في 1979م، وفي العام نفسه عين وكيلًا للأزهر، بقرار جمهوري فقضى فيها نحو سنة وبضعة أشهر.

وفي نهاية عام 1980م صدر قرار الدكتور فؤاد محيي الدين، نائب رئيس الوزراء، بتعيين الدكتور محمد الطيب مديرًا لجامعة الأزهر، ثم أحيل للمعاش في 25 يونيه 1981م، فصدر قرار نائب رئيس الوزراء عام 1981م بمد خدمته في رئاسة الجامعة لمدة عام، ثم صدر قرار نائب رئيس الوزراء في 1982م، بمد خدمة فضيلته لعام ثانٍ، وعندما جاء العام التالي في 26 يونيه 1983م،  صدر قرار رئيس الوزراء بمواصلة فضيلته العمل حتى نهاية العام الجامعي في: 31 أغسطس 1983م.

وكان الرئيس السادات يقدر مكانة الدكتور محمد الطيب وعلمه؛ ما جعله يعلن في لقاء جماهيري بقاعة الإمام محمد عبده عن مد خدمته في رئاسة الجامعة لمدة عامين، وتم بثه عبر التلفاز.

واستطاع الدكتور محمد الطيب، رئيس الجامعة السادس، أن يعيِّن نائبًا لرئيس الجامعة لكليَّات البنات، وفي فبراير عام (1981م)، أصدر الشيخُ قرارًا بأن تلتزم السيدات في جامعة الأزهر بضوابط الإسلام في ملابس النساء، وكان صدى ذلك القرار عريضًا في الآفاق، وكم من أقلامٍ حاولت أن تغري بالشيخ لتثنيه عن قراره، وانتهزها المرجفون فرصة؛ لينالوا من الشيخ على صفحات الصحف ليرجع عن قراره، ولكنه كان القوي بالحق، الواثق بالله، فتكسرت الأقلام المغرضة، وثبت الشيخ على رأيه، وصاح: "إنْ كنتُ لآمر بالخير فيُحفِظُ ذلك عليَّ صدورًا؛ لئن خُيِّرتُ بين القرار وإنفاذه ورئاسة الجامعة لتركتُها غيرَ مُتَعْتِعٍ".

وتصدَّى الدكتور محمد الطيب لظاهرة (الثأر) المنتشرة في صعيد مصرَ، وعقد اجتماعات مع رؤساء العوائل، فكفى الله به شرًّا كثيرًا، وكم قد انحسم به شر، وعُصِمت به دماء.

وقد أنشئت في عهده كليات: الشريعة والقانون بدمنهور في 1981م، والدراسات الإسلامية والعربية للبنات بسوهاج في 1981م - وقد افتتحها نائبه الدكتور السعدي فرهود، وخصص اللواء ثروت عطا الله، محافظ سوهاج، في ذلك الوقت عمارة سكنية مجاورة للكلية؛ لتكون سكنًا للطالبات المغتربات، واللغة العربية بدمنهور، والطب للبنين بأسيوط في 1982م لكن الدراسة الفعلية بدأت فيها عام 1989م، والعلوم للبنين بأسيوط، وطب أسنان البنين بأسيوط لكن الدراسة الفعلية بدأت فيها عام 1999م.

كذلك في عهده أنشئت كلية الصيدلة للبنين بالقاهرة في 1982م، بعد أن كانت شعبة ملحقة بكلية الطب، كما شيدت في عهده كليةُ أصول الدين بالزقازيق، واختارَ الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم عميدًا لها، ومشرفًا عليها، ومكملًا لبنائها عام (1983م)، كذا أنشئت في عهده مستشفى الزهراء الجامعي، ووحدة علاج القصور الكلوي وزرع الكلى، ومركز الأعمال والاستشارات الهندسية.

ونال الشيخُ عضويَّة مجمع البحوث سنة (1979م)، وشارك في لجانها المختلفة، وكانت للشيخ مشاركات إذاعيَّة وتليفزيونية؛ كأحاديثه في برامج أحاديث الصباح، ومشاركته في برنامج لقاء الإيمان، وطوَّف الشيخُ مسافرًا في بقاع شتى؛ فسافر إلى المدينة المنورة، والولايات المتحدة، وألمانيا الغربية، وسيريلانكا، والهند، وباكستان، والإمارات، وتركيا، والسنغال، وقبرص، وغينيا.

وحاز الشيخُ وسام الجمهورية من الطبقة الأولى من الرئيس الراحل أنور السادات عام 1979م، ووسامَ العلوم والفنون من الطبقة الأولى من الرئيس مبارك سنة 1983م، وحاز الجائزة العالمية في السيرة النبوية من المؤتمر العالمي للسيرة عن كتابه: (القول المبين)، وكان قد عُقد في باكستان، وسلَّمها له إذ ذاك رئيس باكستان الراحل ضياء الحق عام 1985م.

ولقد أشرف الدكتور محمد الطيب، رئيس الجامعة السادس، على نحو ثمانين رسالة علمية؛ منها: إشرافه على رسالة الدكتوراه للباحث مجاهد توفيق الجندي، وكان عنوانها: الحركة العلمية في مصر في عصر سلاطين المماليك، ورسالة دكتوره للباحث محمد أمين محمود بدوي، بعنوان: مدينة الكوفة وأثرها في سياسة الدولة الأموية، ورسالة دكتوراه للباحث حسين يوسف دويدار، بعنوان: الحياة الاجتماعية في مصر في العصر الفاطمي.

وترك الشيخ محمد الطيب مؤلفات قاربت على الثلاثين، ونحن نذكر منها موجزين: النبأ الصادق في تفسير سورة الأنفال، والقول المبين في سيرة سيد المرسلين، ومشاهير الأئمة في الفقه والحديث، وصلاح الدين الأيوبي والصليبيين.

ودارت على الشيخِ كأسُ المنيَّة فشرِب، وهو الذي لم يتعوَّد راحةً في حياته إلا ما يكون من العملِ؛ فلما جاء الأجل شعر الشيخ بوعكة المرض الذي ألمَّ به، وثقل عليه، وأخذت وطأته تشتدُّ فتوفاه الله عام 1991م.

تم نسخ الرابط