عاجل

في كثير من الأحيان تتحول الأزمات إلى انفراجات. فطالما توفرت إرادة الخروج من المشكلة، توفرت أدوات البحث وطرق الحل. فالاستسلام ضعف يزيد الأزمة تعقيدًا. كم من دول تفاقمت مشاكلها، وبدت مستعصية على الحل، فكانت الضغوط القاسية سبيلها للسير في مسالك جديدة والعمل بأفكار ملهمة وبرجال توفرت فيهم أدوات العلم. فمن سنغافورة إلى البرازيل، تحولت الأزمات إلى نجاحات. ومصر لديها أزمات، لكنها تمتلك العقول، ولديها معوقات، لكنها تملك العلماء.

مصر أخيرًا تمكنت من تصفير المديونية. أخيرًا لم تعد الدولة مَدينة لشركات البترول «الشركاء الأجانب». أخيرًا رفعت مصر عن كاهلها همًّا أرّق ليلها وأتعب نهارها. هذا ليس مجرد خبر عابر يدفع إلى التفاؤل، بل هو عملية إنقاذ لسمعة، ورفع لجبل جثم على صدورنا لسنوات. فقد كانت هذه المديونيات مصدرًا لإعاقة العمل في مجال الاستكشافات، وتقليل الثقة في بيئة العمل، وعرقلة الاستثمار.

هذا إنجاز بالغ الأهمية، ونجاح ينعكس على كامل مناحي الاستثمار، وليس قطاع البترول فقط. إنها شهادة ثقة عالية الجودة للشركات العاملة، أو التي تخطط للعمل في مصر. فسمعة الاستثمار كلٌّ لا يتجزأ، ووجود عقبات أو مشكلات في مجال ما يلقي بظلاله على بقية المجالات.هذا إنجاز بالغ الأهمية، ونجاح ينعكس على كامل مناحي الاستثمار، وليس قطاع البترول فقط. إنها شهادة ثقة عالية الجودة للشركات العاملة، أو التي تخطط للعمل في مصر. فسمعة الاستثمار كلٌّ لا يتجزأ، ووجود عقبات أو مشكلات في مجال ما يلقي بظلاله على بقية المجالات.

لقد تم تصفير المديونية لأول مرة منذ سنوات، بعد أن بلغت 6.1 مليار دولار في عام 2024. وهي قضية قديمة ومتراكمة، تدور في فلكٍ بدا وكأنه بلا نهاية. كنا نتقدم فيها خطوة ثم نعود إلى حيث بدأنا.

سمعت من المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، تأكيدات كثيرة على أن وزارته ستسدد كامل المديونية. وكنت أتساءل عن كيفية تحقيق ذلك والخروج من هذه الدائرة التي دفعت بعض الشركات إلى الانسحاب، وجعلت شركات أخرى تتردد في الإقدام.

وأعرف أن وزارة البترول تعمل وفق مناهج علمية مدروسة بعمق، وخطط موضوعية وطموحة. وأنا أطمئن إلى العلم الذي يمنع الفهلوة ويقضي على المحسوبية. كريم بدوي رجل دؤوب ومنضبط، لكنه قبل ذلك يحترم العلم ويعمل وفق مبادئه الحاكمة. لقد غيّر وجه وزارة البترول، وجعلها في مستوى طموحات وتوجيهات السيد رئيس الجمهورية.

لقد وجّه الوزير، بإعلان تصفير المديونية، رسالة إلى العالم مفادها أن مصر دولة تحترم عقودها وتفي بالتزاماتها مهما كانت العقبات، وأنها أهل للثقة ومصدر للاطمئنان. فمن دخلها مستثمرًا فهو آمن، وفي مشاركتها صدق، وفي عهودها التزام.

إن إعلان المهندس بدوي نجاح الدولة المصرية في إنهاء ملف المستحقات المتأخرة لشركاء الاستثمار في إنتاج البترول والغاز بشكل كامل، أمر يضع مصر في مكانتها الحقيقية في هذا المجال، ويرسم صورة طيبة عن مناخ العمل فيها.

إنهاء ملف المستحقات، أو المديونيات، كما قال الوزير، يُعد إنجازًا تاريخيًّا لأخطر التحديات التي واجهت قطاع البترول، بعد أن أعاقت معدلات الاستثمار وعطلت عمليات الحفر والاستكشاف. وربما كان ذلك أحد أهم الأسباب التي أخرت مصر كثيرًا في هذا المجال.

لذلك قال الوزير: «إن سداد المستحقات بالكامل أعاد الثقة بقوة إلى مناخ الاستثمار في قطاع البترول المصري، وأزال أحد أكبر العوائق أمام تدفق رؤوس الأموال والاستثمارات الجديدة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة أكثر نشاطًا في أعمال البحث والاستكشاف وتنمية الحقول والإسراع بتنفيذ المشروعات الإنتاجية».

كلمة الوزير تؤكد أن رسالة مصر اليوم إلى مجتمع الاستثمار العالمي واضحة وحاسمة، وهي أن مصر تمتلك إرادة حقيقية لدعم الاستثمار وتوفير بيئة أعمال مستقرة وجاذبة وقادرة على تحقيق المصالح المشتركة لجميع الأطراف.

هذا الإعلان بمثابة تحول جذري في التعامل مع ثروات مصر الطبيعية، ورفع منسوب الثقة، وتغيير نظرة العالم إلى الاستثمار في مصر. فمصر تمتلك، وفقًا للخبراء، فرصًا هائلة في مجال الطاقة، ما يؤهلها لاحتلال مكانة أفضل بكثير من وضعها الحالي. فقط نحتاج إلى رجال مثل كريم بدوي.

ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجهود الأوسع التي تبذلها الدولة المصرية لضبط وتنظيم قطاع الطاقة وتعزيز قدرته على جذب الاستثمارات الأجنبية. فخلال السنوات الأخيرة، نجحت مصر في تطوير البنية التحتية لقطاع الغاز والبترول، والتوسع في مشروعات التعدين والتكرير والبتروكيماويات، إلى جانب تحديث الموانئ وخطوط النقل والتخزين، بما جعلها مركزًا إقليميًّا مهماً لتجارة وتداول الطاقة.

كما أن إنهاء ملف المديونية يمنح الشركات العالمية الثقة في استقرار السوق المصرية، ويدفعها إلى ضخ استثمارات جديدة في البحث والتنقيب، خصوصاً في المناطق البحرية. مما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني، وتوفير فرص عمل جديدة، وزيادة موارد الدولة من العملة الأجنبية.

ومن المهم أيضًا أن ندرك أن نجاح قطاع البترول لا يتحقق بالموارد الطبيعية وحدها، بل بالإدارة الذكية التي تعتمد على الكفاءات العلمية والإدارية القادرة على اتخاذ القرار في التوقيت المناسب. فالدول التي حققت نجاحات في الطاقة لم تعتمد فقط على الثروات الموجودة تحت الأرض، وإنما على العقول التي أحسنت إدارة الثروات الطبيعية وتحويلها إلى قوة اقتصادية تخدم التنمية والاستقرار.

تم نسخ الرابط