عاجل

ستظل الإدارة المحلية في مصر حجر الزاوية لكل بناء تنموي مستدام تريده الدولة المصرية، وهو الركيزة الأهم لتخفيف الأعباء عن كاهل السلطة المركزية، غير أن المشهد الراهن يضعنا أمام مفارقة غريبة ومعقدة بين واقعٍ عانى غياب المجالس الشعبية المحلية المنتخبة، ومأمولٍ تشريعي طال ارتقابه يحاول حل هذه المعضلة.

وهذا التطلع لإصدار هذا القانون ليس نافلة من القول أو ترفاً سياسياً، بل هو استحقاق دستوري واجب النفاذ؛ إذ أفرد دستور جمهورية مصر العربية لسنة 2014 باباً متكاملاً للإدارة المحلية في المواد من 175 إلى 183، واضعاً محددات حاسمة ترتكز على اللامركزية الإدارية والمالية الاقتصادية، مع كفالة أدوات رقابية جسورة للمجالس المنتخبة تمكنها من استجواب الأجهزة التنفيذية ومساءلتها، وهو تحول ديمقراطي نوعي يفتقر حتى الآن إلى ظهير تشريعي متكامل ينقله من رصانة النص إلى واقع التطبيق.

ولم تكن الجهود النيابية بمنأى عن هذا الحراك؛ فمنذ بدء المداولات الرسمية لمشروع قانون الإدارة المحلية داخل أروقة مجلس النواب عام 2020، مراراً بالأطروحات والمسودات المتلاحقة التي امتدت نقاشاتها حتى الآن، وما زال البحث عاكفاً على صياغة معادله متوازنة تفصل وتصل بين شقين متلازمين: "الإدارة المحلية" بوصفها ذراعاً تنفيذية للدولة، و"المجالس المحلية" باعتبارها سلطة شعبية رقابية. وفي هذا السياق، تتبدى القيمة القانونية والسياسية لأطروحات النائب الدكتور أحمد السجيني، رئيس لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب السابق، الذي طالما أكد بمهنية تشريعية شديدة أن المعضلة الحقيقية لا تكمن في مجرد الدعوة لصناديق الاقتراع، وإنما في تهيئة البيئة الهيكلية والمؤسسية التي سيباشر فيها الأعضاء المنتخبون اختصاصاتهم. إن رؤية السجيني تتجاوز منطق الاستعجال الإجرائي إلى ضرورة إقرار قانون "قابل للاستدامة والتطبيق"، قانون يفك الاشتباك والتشابك المالي والإداري بين الوزارات الخدمية والوحدات المحلية، ويضمن تأهيل العنصر البشري قبل تمكينه، تجنباً لإنتاج مجالس رقابية معطلة أو أجهزة تنفيذية مكبلة ببيروقراطية موروثة.

إن العبور الآمن من ركود الواقع إلى طموح المأمول يستوجب تبني حزمة من الحلول التشريعية والتدابير الإجرائية الصارمة في صلب القانون المرتقب؛ وتأتي في طليعة هذه الحلول التفعيل التدريجي الممنهج للامركزية للموازنات المحلية، بما يضمن تمكين الوحدات المحلية من تنمية مواردها الذاتية والاحتفاظ بأوعيتها الإيرادية لإنفاقها على الاحتياجات العاجلة، انفكاكاً من أسر الدورة المستندية المركزية عتيقة البيروقراطية في مصر. وعلى الصعيد الانتخابي، يبرز لزاماً علينا تبني التوافقات الوطنية الأخيرة التي أفرزتها (جلسات الحوار الوطني)، والتي استقرت على صياغة نظام انتخابي هجين يدمج بين نظام القائمة المغلقة المطلقة استيفاءً وتلبيةً للكوتا الدستورية الإلزامية ونسبها الصارمة (25% للمرأة، 25% للشباب، مع تمثيل عادل للعمال والفلاحين والمسيحيين وذوي الإعاقة)، وبين نظام القائمة النسبية بما يضمن أوسع تمثيلية سياسية وحزبية ممكنة تمنع احتكار المقاعد وتتيح الفرصة للتعددية والتنافسية البرامجية، مما يثمر مجالس متوازنة تجمع بين الشرعية الدستورية والكفاءة الفنية والقبول المجتمعي الشامل.

أما المقاربة التشريعية الحتمية الأخرى، فترتكز على وضع خطة زمنية متدرجة لتطبيق الصلاحيات الرقابية الموسعة، بالتوازي مع تدشين برنامج وطني إلزامي لتأهيل الكوادر البشرية، وتدريب موظفي الإدارة البلدية على آليات الحوكمة الرقمية وتدابير النزاهة المؤسسية.

إن صياغة قانون يضمن التناغم والاتزان الإداري والقانوني بين المحافظ بوصفه مُمثلاً للسلطة التنفيذية والمجلس المحلي بوصفه عيناً رقابية للشعب المصري، هي الضمانة الأوحد لإنهاء عقود من العشوائية الخدمية. إن المحليات في جوهرها ليست مجرد أجهزة إدارية تُعنى بالمرافق اليومية للمؤسسات في مصر، بل هي المدرسة الشرعية الأولى لممارسة العمل العام، وهو الاستثمار الحقيقي في بنية الاستقرار السياسي للأمن القومي للدولة المصرية.

تم نسخ الرابط