ثم قال لنا:
- طلعوا ورقة وقلم
فتحنا دفاترنا على عجل، بينما تناول هو نفسًا آخر من سيجارته، ثم بدأ يملي علينا التكليف الأول بصوته الهادئ الواثق:
- أحمد وزميلته منّي الاتنين شغالين في شركة في وسط البلد في الدور العاشر .. أحمد قرر يعبر لزميلته عن حبه أثناء المرواح الساعة اتنين الضهر .. المشهد اللي أنا عاوزه جوه الأسانسير… يعني أثناء نزولهم ؛ قصادكم ربع ساعة
قال كلماته الأخيرة وألقى نظرة سريعة على القاعة قبل أن يستند إلى ظهر المقعد ويدير وجهه نحو النافذة ولم يكن في ملامحه ما يوحي بأنه ينتظر شيئًا منا وكأنه ألقى حجرًا في الماء وترك الدوائر تتسع وحدها ؛ ظل صامتًا يتأمل البعيد بينما تصاعد دخان السيجارة في خطوط متعرجة أمام الزجاج .
أما نحن فانحنينا فوق الأوراق فجأة كجنودٍ تلقوا أمر الهجوم ؛ بدا التكليف بسيطًا في ظاهره لكنه كان أشبه بفخٍ صغير نصبه لنا كاتب يعرف مهنته جيدًا ؛ شاب وفتاة وأسانسير ودقائق معدودة بين الدور العاشر والأرضي واعتراف بالحب !! لا أحداث كبيرة ولا شخصيات كثيرة ولا مكان للهروب من الموقف فهي مجرد لحظة إنسانية خالصة، علينا أن نحولها إلى مشهد حي خلال ربع ساعة فقط .

انتهيت من الكتابة قبل الجميع ووضعت القلم جانبًا ونظرت حولي فوجدت الرؤوس ما تزال منحنية فوق الأوراق ؛ شعرت بشيء من الزهو ليس ثقة كاملة فيما كتبت بقدر ما هو شعور المنتصر في سباقٍ قصير.
قمت من مكاني وتقدمت نحو المكتب ثم وضعت الورقة أمام الأستاذ الذي لم يرفع رأسه ولم ينظر إليها حتى بل بقي شاردًا في تأمله نفسه كأن الورقة لم توضع أمامه أصلًا فعدت إلى مقعدي أحمل داخلي ذلك الرضا الصغير الذي يشعر به كل كاتب بعد أن يضع النقطة الأخيرة.
وبعد دقائق بدأت الأوراق تتوالى أمامه ورقة تلو الأخرى حتى جاءت الورقة الأخيرة واستقرت فوق الكومة.
كنت أتصور بمنطق الشباب البسيط أنه سيبدأ بورقتي فأنا أول من انتهى وأول من سلّم لكن وحيد حامد كان يبدو مؤمنًا بمنطق آخر حيث مد يده إلى الكومة وسحب آخر ورقة وُضعت فوقها.
لقد بدأ من حيث انتهى آخرنا.
ارتدى نظارة القراءة وعدّلها فوق أنفه ثم شرع يقرأ قرأ الورقة الأولى دون أن تهتز عضلة واحدة في وجهه لا ابتسامة و لا عبوس ولا علامة رضا أو استياء ثم انتقل إلى الثانية فالثالثة فالرابعة بنفس الهدوء المربك.
كنا نراقبه في توتر ونحاول أن نقتنص أي إشارة أي حركة صغيرة تكشف لنا ما يدور في رأسه لكن وجهه ظل مغلقًا كصفحة بيضاء لم نستطع أن نقرأ منه حرفًا واحدًا بينما كان هو يقرأ ما كتبناه جميعًا حرفًا حرفًا.
وللمرة الثانية في ذلك اليوم أدركت أن أصعب ما في الجلوس أمام كاتب كبير ليس سماع حكمه بل انتظار هذا الحكم فالصمت أحيانًا يكون أكثر قسوة من النقد وأكثر إثارة للقلق من الرفض نفسه ؛ وبينما كنا نراقب وجهه في قلقٍ صامت منتظرين أي إشارة تكشف ما يدور في رأسه ظل الأستاذ محتفظًا بذلك الجمود المحيّر قرأ الورقة الأولى دون تعليق ثم الثانية، فالثالثة فالرابعة بنفس الملامح التي لا تمنح صاحبها أي فرصة للتخمين !!
أما أنا فكنت أتابع المشهد بعينٍ على الأوراق وأخرى على نظارته التي تنزلق قليلًا فوق أنفه كلما انحنى للقراءة.
ثم حدث ما لم أتوقعه.
عندما وصل إلى ورقتي، تبدلت ملامحه فجأة ولم تكن ابتسامة واسعة بل تلك الابتسامة الصغيرة التي تظهر على وجه إنسانٍ وجد شيئًا أعجبه فرفع عينيه عن الورقة للحظة والتقت عيناه بعينيّ مباشرة ..
ما زلت أذكر تلك اللحظة رغم مرور السنين ..
كانت مجرد ثوانٍ معدودة لكنها بدت أطول بكثير فقد رأيته يبتسم ابتسامة رضا واضحة كأنها رسالة صامتة لا تحتاج إلى كلمات ولم أكن أعرف وقتها هل أعجبته الفكرة أم الحوار أم طريقة بناء المشهد لكنني كنت متأكدًا من شيء واحد : أن تلك الابتسامة لم تكن مجاملة .. وللحديث بقية