بعد 65 عامًا.. معاهدة الدفاع المشتركة تعيد تنشيط العلاقات بين بكين وبيونغ يانغ
تكتسب الزيارة التي يجريها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى كوريا الشمالية أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي، إذ تأتي في مرحلة تشهد تحولات متسارعة في النظام الدولي وتزايدًا في حدة التنافس بين القوى الكبرى.
لقاء مرتقب مع كيم جونغ أون وإحياء معاهدة 1961
فاللقاء المرتقب مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون لا يقتصر على إحياء الذكرى الخامسة والستين لمعاهدة الدفاع الموقعة بين البلدين عام 1961، بل يعكس أيضًا سعي بكين إلى الحفاظ على نفوذها التقليدي في بيونغ يانغ، في ظل تنامي العلاقات بين كوريا الشمالية وروسيا، وتراجع فرص استئناف الحوار مع الولايات المتحدة.
وتأتي هذه الزيارة عقب سلسلة تحركات دبلوماسية لافتة للرئيس الصيني، شملت لقاءات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مما يعزز صورة الصين كلاعب رئيسي يسعى لإدارة التوازنات الدولية في بيئة عالمية تتسم بالاضطراب وارتفاع منسوب التوتر.

كوريا الشمالية بين موسكو وبكين
شهدت السنوات الأخيرة تغيرًا واضحًا في موقع كوريا الشمالية داخل المعادلات الإقليمية، إذ لم تعد تعتمد بشكل أساسي على الصين كما في السابق، بعد أن عززت علاقتها مع روسيا بصورة غير مسبوقة، خاصة عقب اتفاق الضمانات الأمنية المتبادلة الذي وقع بين كيم جونغ أون وفلاديمير بوتين عام 2024.
ومنح هذا التقارب بيونغ يانغ هامشًا أوسع للمناورة، إلى جانب مكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وحاجة موسكو إلى دعم حلفائها، ويرى محللون أن كيم بات يمتلك أوراق قوة إضافية، مستفيدًا من التنافس الروسي الصيني على تعزيز العلاقات مع كوريا الشمالية.
وفي هذا السياق، ينظر إلى زيارة شي جين بينغ باعتبارها محاولة لإعادة تثبيت الدور الصيني ومنع انزياح بيونغ يانغ بشكل كامل نحو موسكو، إلى جانب فهم توجهات القيادة الكورية الشمالية في ظل المتغيرات الدولية المتسارعة.
الاستقرار الإقليمي أولوية صينية
تعتبر بكين شبه الجزيرة الكورية منطقة شديدة الحساسية لأمنها القومي، حيث إن أي تصعيد عسكري هناك قد ينعكس مباشرة على الاستقرار في شمال شرق آسيا والمصالح الاقتصادية الصينية.
لذلك، تحرص الصين على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع جميع الأطراف، بما فيها الكوريتان والولايات المتحدة، بهدف احتواء الأزمات ومنع انزلاقها إلى مواجهة واسعة.

وفي ظل تصاعد التوترات الدولية وتداعيات الحرب في أوكرانيا والاضطرابات في الشرق الأوسط، تزداد أهمية الاستقرار الإقليمي بالنسبة لبكين، التي تدفع باتجاه الحلول الدبلوماسية وإدارة الأزمات بدلًا من تفاقمها.
مستقبل الدور الصيني
يبقى الملف النووي الكوري الشمالي أحد أكثر القضايا تعقيدًا في المنطقة، فعلى الرغم من تمسك الصين رسميًا بهدف نزع السلاح النووي، فإن الواقع السياسي يشير إلى صعوبة تحقيق تقدم ملموس في المدى القريب، في ظل إصرار بيونغ يانغ على اعتبار ترسانتها النووية عنصرًا أساسيًا في أمنها القومي.
الصين تدفع نحو الحلول الدبلوماسية واحتواء الأزمات
وفي المقابل، تدعو بكين إلى مقاربة سياسية شاملة تأخذ في الاعتبار المخاوف الأمنية لجميع الأطراف، بدلًا من التركيز على جانب واحد من الأزمة، خاصة مع تعثر جولات التفاوض السابقة وغياب الثقة المتبادلة.
ويرى محللون أن تصاعد النزاعات الدولية مؤخرًا عزز قناعة عدد من الدول بأهمية الردع العسكري، مما يزيد من تعقيد الجهود الرامية لإقناع كوريا الشمالية بالتخلي عن برنامجها النووي.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو زيارة شي جين بينغ أكثر من مجرد حدث دبلوماسي، بل تعبيرًا عن مرحلة جديدة تحاول فيها الصين ترسيخ دورها كقوة توازن دولي، بينما تسعى بيونغ يانغ لتعظيم مكاسبها عبر التمركز بين موسكو وبكين.
وتبقى قدرة الأطراف على إدارة تباين مصالحها عاملًا حاسمًا في رسم مستقبل الاستقرار في شرق آسيا خلال المرحلة المقبلة.



