في كل مجتمع تحكمه القوانين وتستند مؤسساته إلى هيبة الدولة، يبقى احترام القانون هو المعيار الحقيقي للحكم على الأشخاص، لا حجم التبرعات التي يقدمونها ولا عدد الصور التي يلتقطونها مع البسطاء. لكن المثير للقلق أن هناك ظاهرة تسللت إلى بعض العقول عبر سنوات طويلة، تقوم على منح صكوك البراءة لأشخاص تحوم حولهم الشبهات أو يواجهون اتهامات خطيرة، فقط لأنهم قدموا مساعدات مالية هنا أو تكفلوا بحالة إنسانية هناك.
أصبحت المعادلة لدى البعض غريبة ومقلقة؛ فكلما تضخمت الثروة بصورة تثير التساؤلات، سارع أصحابها إلى توزيع جزء منها على الفقراء، وكأن العطاء يمكن أن يمحو علامات الاستفهام حول مصدر الأموال. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية، لأن المجتمع يتحول تدريجياً من محاسبة الأفراد على التزامهم بالقانون إلى تقييمهم وفق حجم ما ينفقونه على الأعمال الخيرية.
المساعدة الإنسانية قيمة نبيلة لا يختلف عليها أحد، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأعمال الخيرية إلى وسيلة لتجميل الصورة العامة أو صناعة نفوذ اجتماعي يضع صاحبه فوق المساءلة. فالقانون لا يعرف فاعل خير وفاعل شر، بل يعرف مواطناً ملتزماً بالقانون وآخر يخضع للتحقيق أو المحاسبة إذا ثبتت مخالفته.
وعلى مدار سنوات، ساهمت بعض الروايات الشعبية في صناعة صورة أسطورية لأشخاص قدموا أنفسهم باعتبارهم حماة للضعفاء أو أصحاب مواقف إنسانية، بينما كانت الوقائع تكشف في أحيان كثيرة وجهاً آخر أكثر تعقيداً. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تضاعفت قدرة البعض على صناعة هذه الصورة وتسويقها، حتى باتت الشائعات والقصص المتداولة أحياناً أقوى تأثيراً من الحقائق والأحكام القضائية.
الأخطر من ذلك أن بعض المواطنين بدأوا ينظرون إلى أصحاب النفوذ غير الرسمي باعتبارهم بديلاً أسرع من المؤسسات القانونية في حل المشكلات أو استرداد الحقوق. وهنا تتعرض فكرة الدولة نفسها للاهتزاز، لأن العدالة لا يمكن أن تُبنى على القوة أو العلاقات أو النفوذ، وإنما على القانون وحده.
إن المعركة الحقيقية ليست ضد شخص بعينه، بل ضد ثقافة كاملة تبرر التجاوزات طالما صاحبها يوزع الهبات أو يقدم المساعدات. فالأوطان لا تُبنى بالصدقات وحدها، وإنما تُبنى باحترام القانون وصيانة الحقوق وحماية مؤسسات الدولة من أي مراكز قوة موازية.
اليوم يتطلع المصريون إلى ترسيخ مفهوم واضح وبسيط: لا أحد فوق القانون، ولا يجوز أن تتحول الأعمال الخيرية إلى حصانة اجتماعية أو إعلامية. فالخير الحقيقي يبدأ من احترام الدولة وقوانينها، ومن كسب المال بطرق مشروعة، ومن أداء الواجب قبل البحث عن المديح.
ويبقى السؤال المطروح: هل تنجح الدولة في ترسيخ هذه الثقافة وإغلاق الباب أمام أي محاولة لصناعة أبطال من خارج إطار القانون؟ أم تستمر بعض الأصوات في الخلط بين العمل الخيري والالتزام القانوني؟
الإجابة لن تصنعها الشائعات ولا الانطباعات، بل ستصنعها الوقائع، وستحسمها قوة القانون وعدالته. فالدول القوية لا تُقاس بعدد الأقوياء فيها، وإنما بقدرتها على إخضاع الجميع لميزان واحد لا يفرق بين اسم كبير ومواطن بسيط.