عاجل

تخيل للحظات أن تستيقظ صباحًا وأنت لا تأمن على نفسك أو أهلك أو مالك، وأن تخرج إلى عملك أو مسجدك وأنت تخشى أن تتعرض لأذى أو اعتداء، أو أن تنام ليلًا وقلبك منشغل على مستقبلك ومستقبل أبنائك. عندها فقط يدرك الإنسان أن الأمن ليس مجرد كلمة تُردد، بل هو نعمة عظيمة تقوم عليها الحياة كلها.

فالأمن هو الظل الذي تستريح تحته الأمم، وهو الأرض الصلبة التي يقف عليها البناء والتنمية والعلم والعبادة. ولهذا كانت نعمة الأمن من أعظم نعم الله تعالى على عباده، بل إن كثيرًا من النعم لا يُنتفع بها إلا إذا وُجد الأمن.
وقد امتن الله تعالى على عباده بهذه النعمة في مواضع عديدة من كتابه الكريم، فقال سبحانه: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، فجمع بين نعمة الرزق ونعمة الأمن، لأن حياة الإنسان لا تستقيم إلا بهما. كما دعا خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ربه قائلًا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾، فقدم طلب الأمن على غيره من المطالب. ومن الآيات العظيمة التي تبعث الطمأنينة في النفوس قول الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ فجعل الأمن عنوانًا للاستقرار ونعمة تستحق الذكر والثناء.
ولقد جاء الإسلام بمنهج متكامل لحفظ الأمن في المجتمع، فحفظ للناس دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وأرسى قواعد العدل والمساواة بين الجميع دون تفرقة بين غني وفقير أو قوي وضعيف. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. وقال النبي ﷺ: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا».
ومن أجل حماية المجتمع من الفوضى والاضطراب، حرم الإسلام كل ما يهدد أمن الناس أو يزرع الخوف بينهم، فحرَّم السرقة والنهب والاعتداء، وحرَّم ترويع الآمنين وقطع الطريق والبلطجة بكل صورها وأشكالها. بل جعل ذلك من كبائر الذنوب والجرائم التي تستوجب العقوبة الرادعة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية.
وقال النبي ﷺ: «لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلمًا»، وفي حديث آخر: «من حمل علينا السلاح فليس منا».
إن الأمن ليس مسؤولية رجال الأمن وحدهم، بل هو مسؤولية كل فرد في المجتمع أيضا؛ بالكلمة الطيبة، واحترام النظام، والمحافظة على الممتلكات العامة، والتعاون على البر والتقوى، والإبلاغ عن كل ما يهدد سلامة الوطن وأبنائه.
وفي وطننا الغالي، نلمس جهودًا كبيرة تُبذل للحفاظ على الأمن والاستقرار، وهي جهود تستحق الشكر والتقدير والدعاء. ومن الوفاء أن نتوجه بالتحية إلى رجال الداخلية والقوات المسلحة وكل أجهزة الأمن، وإلى كل من يسهر على راحة المواطنين وحماية مقدرات الوطن، سائلين الله تعالى أن يحفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يديم علينا نعمة الأمن والأمان.
واختم بقول النبي ﷺ: «عينان لا تمسهما النار يوم القيامة: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله»، فطوبى لكل من جعل نفسه حارسًا لأمن الناس وسلامتهم، ونال شرف خدمة وطنه وأمته.

تم نسخ الرابط