عاجل

"العمر لا يمنع النجاح".. حكاية رجل أردني عاد إلى الجامعة بعد 64 عامًا

محمد العياصرة
محمد العياصرة

لم يكن الأردني محمد العياصرة يتخيل، وهو يغادر مقاعد الدراسة عام 1962، أن القدر سيعيده إليها بعد أكثر من ستة عقود. وبين محطة وأخرى من حياته؛ جنديًا، وموظفًا، ومغتربًا، ومتقاعدًا، ظل حلم الدراسة الجامعية يسكن قلبه بصمت، منتظرًا اللحظة التي يعود فيها إلى النور.

واليوم، وفي عمر الثانية والثمانين، يجلس الرجل الأردني بين طلاب يصغرونه بعشرات السنين، حاملًا كتبه وأحلامه ذاتها التي لم تهزمها السنوات.

محمد العياصرة.. أكبر طالب جامعة في الأردن بعمر 82 عاما

حلم مؤجل لم تمتد إليه يد النسيان

بدأت القصة في محافظة جرش شمال الأردن، حيث كان العياصرة طالبًا شغوفًا بالعلم قبل أن تفرض عليه ظروف الحياة مسارًا مختلفًا. ففي عام 1962 ترك المدرسة والتحق بالقوات المسلحة الأردنية، ليبدأ رحلة خدمة استمرت 24 عامًا في سلاح الاتصالات. لكن رغم الانضباط العسكري والمسؤوليات المتزايدة، لم يغب حلم الجامعة عن ذهنه يومًا واحدًا.

يقول العياصرة إن فكرة العودة إلى الدراسة ظلت ترافقه طوال سنوات الخدمة، وكأنها وعد قديم قطعه لنفسه ولم يتمكن من الوفاء به بعد.

زوجة آمنت بالحلم قبل صاحبه

وسط مشاغل الحياة، جاءت الزوجة لتلعب دورًا مفصليًا في القصة. ففي عام 1976 شجعته على التقدم لامتحان الثانوية العامة "التوجيهي"، مؤمنة بقدرته على تحقيق ما فاته. وبالفعل، حصل على معدل أهّله للالتحاق بتخصص الأدب الإنجليزي في جامعة اليرموك.

كانت تلك الخطوة بمثابة إحياء لحلم ظن كثيرون أنه انتهى إلى الأبد. لم تكن الطريق سهلة، فقد اضطر العياصرة إلى التوفيق بين الدراسة والعمل، متنقلًا بين عمان وأربد، مواصلًا مسيرته التعليمية كلما سمحت الظروف.

ومع مرور الوقت، تمكن من إنجاز عدد كبير من الساعات الجامعية، لكن فرصة عمل جديدة مع شركة أرامكو في السعودية أجبرته على تأجيل الحلم مرة أخرى.

ومثل كثير من الأحلام المؤجلة، بقي المشروع معلقًا بين دفاتر الجامعة ومتطلبات الحياة.

عندما أعادته القوانين إلى نقطة الصفر

بعد تقاعده عام 2004، قرر أن يفتح الملف القديم من جديد. عاد إلى الجامعة حاملًا أملًا كبيرًا باستكمال ما بدأه قبل سنوات طويلة، لكنه فوجئ بأن تغيّر الأنظمة والقوانين الأكاديمية أعاده تقريبًا إلى نقطة البداية. وبعد جهود طويلة، تم احتساب جزء من ساعاته الدراسية السابقة، لينتقل إلى جامعة جرش ويواصل رحلته التعليمية بثبات وإصرار.

طالب في الثانية والثمانين.. وأستاذ لزملائه أحيانًا

داخل الحرم الجامعي، لم يكن فارق العمر حاجزًا بينه وبين زملائه الشباب. بل على العكس، تحوّل العياصرة إلى مصدر إلهام لكثير منهم، وإلى مرجع في اللغة الإنجليزية بفضل خبرته الطويلة ودراساته السابقة في مراكز اللغات العسكرية.

ويقول مبتسمًا إنه كان يحرص دائمًا على الدراسة حتى ساعات متأخرة من الليل، وأن يحصل على درجات مرتفعة ليؤكد للجميع أن النجاح لا يعرف عمرًا محددًا.

البكالوريوس ليس نهاية الطريق

حتى الآن، أنهى الحاج محمد 108 ساعات جامعية من أصل 132 ساعة مطلوبة للحصول على درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي. لكن المفاجأة أن الرجل لا يرى البكالوريوس نهاية الرحلة، بل مجرد محطة جديدة.

فهو يطمح بعد التخرج إلى دراسة الماجستير في العلوم الإسلامية باللغة الإنجليزية، بهدف تقديم صورة صحيحة عن الإسلام للناطقين بالإنجليزية. ويقول إن سنوات غربته ومعيشته خارج البلاد جعلته يدرك حاجة كثير من الناس إلى فهم الإسلام بصورة أعمق وأكثر دقة.

في نهاية رحلته التي لم تنتهِ بعد، يوجه العياصرة رسالة بسيطة لكنها تحمل خلاصة عمر كامل من التجارب: "لا يوجد عمر متأخر لتحقيق الحلم.. الإنسان ينجح طالما بقي عنده هدف في الحياة".

تم نسخ الرابط