عاجل

عندما يقترب موعد كأس العالم، تتراجع كل الخلافات أمام اسم واحد هو منتخب مصر. فالمونديال ليس بطولة عادية، ولا مجرد مناسبة رياضية عابرة، بل حدث استثنائي يجتمع حوله ملايين المصريين الذين يحلمون برؤية علم بلادهم مرفوعًا في أكبر محفل كروي على مستوى العالم. ولذلك فإن حالة الجدل والانقسام التي صاحبت إعلان قائمة المنتخب الوطني الأخيرة تستحق التوقف أمامها، ليس من أجل مناقشة أسماء اللاعبين فقط، وإنما من أجل التأكيد على قيمة أكبر وأهم، وهي أن دعم المنتخب يجب أن يكون فوق أي خلاف.
لا يوجد مدير فني في العالم يستطيع أن يعلن قائمة لمنتخب بلاده وتحظى بإجماع كامل. كرة القدم بطبيعتها لعبة الآراء، وكل مشجع يرى أن لاعبًا معينًا يستحق التواجد، بينما يرى آخر أن لاعبًا مختلفًا هو الأجدر. هذه الحالة ليست مصرية فقط، بل تحدث في جميع المنتخبات الكبرى، من البرازيل والأرجنتين إلى ألمانيا وفرنسا وإسبانيا. وفي كل مرة تكون هناك أسماء مستبعدة تثير الجدل، وأخرى منضمة تثير التساؤلات، لكن في النهاية يبقى القرار مسؤولية المدير الفني وحده.
من حق الجماهير أن تناقش وأن تنتقد وأن تختلف مع اختيارات حسام حسن، فالنقد جزء طبيعي من الرياضة، بل إنه أحيانًا يمثل عنصرًا مهمًا في تطوير الأداء وتصحيح الأخطاء. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين النقد الموضوعي وبين التحول إلى حالة من الغضب الجماعي التي تصل إلى حد إعلان البعض أنهم لن يشجعوا المنتخب خلال البطولة بسبب عدم اقتناعهم بالقائمة أو بالمدير الفني.
هذه الظاهرة تبدو غريبة ومقلقة في الوقت نفسه، لأنها تنقل الخلاف من مساحة الرأي الرياضي إلى مساحة أخرى تتعلق بالانتماء الوطني. فالمنتخب لا يمثل مدربًا بعينه، ولا لاعبًا بعينه، بل يمثل مصر كلها. واللاعب الذي سيرتدي القميص الوطني في كأس العالم لن يخوض المباراة دفاعًا عن قرار المدير الفني فقط، وإنما دفاعًا عن اسم بلده وأحلام شعبه ومكانة الكرة المصرية.
كما أن الضغوط المبالغ فيها قبل انطلاق البطولة قد تؤدي إلى نتائج عكسية. فالمنتخب يحتاج في هذه المرحلة إلى الاستقرار النفسي والمعنوي أكثر من حاجته إلى الجدل المستمر. واللاعبون يتابعون ما يكتب وما يقال، وعندما يشعرون بأن قطاعات من الجماهير تترقب فشلهم أو تتمنى سقوطهم لإثبات صحة وجهة نظر معينة، فإن ذلك ينعكس بصورة سلبية على الحالة الذهنية للفريق.
ومن الإنصاف أيضًا أن نمنح المدير الفني حقه الكامل في تحمل المسؤولية. فحسام حسن هو صاحب القرار الأول والأخير في اختيار عناصر القائمة، وهو من سيتحمل نتائج هذه الاختيارات أمام الجماهير والإعلام والتاريخ. وإذا كان قد اختار مجموعة معينة من اللاعبين، فهذا يعني أنه يرى أنهم الأكثر قدرة على تنفيذ رؤيته الفنية وخططه داخل الملعب. وقد ينجح وقد يخطئ، لكن الحكم الحقيقي لا يكون قبل انطلاق البطولة، وإنما بعد نهايتها.
التاريخ الكروي مليء بالأمثلة التي أثبتت أن الجماهير والنقاد قد يرفضون بعض الاختيارات في البداية، ثم تتحول هذه الاختيارات نفسها إلى مصدر نجاح وإنجاز بعد انطلاق المنافسات. كما أن هناك قوائم حظيت بإشادة واسعة قبل البطولات، لكنها فشلت في تحقيق النتائج المنتظرة. ولذلك فإن معيار النجاح الحقيقي ليس حجم الرضا على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما ما يتحقق على أرض الملعب.
والأهم من ذلك أن المنتخب المصري يدخل كأس العالم وهو يحمل آمال جماهيره في تقديم صورة مشرفة لكرة القدم المصرية. وقد تكون هذه البطولة فرصة لصناعة إنجاز جديد يضاف إلى تاريخ الكرة الوطنية. أما الدخول إلى المنافسات وسط حالة من الانقسام والتشكيك والتربص، فلن يخدم سوى المنافسين الذين يتمنون رؤية المنتخب فاقدًا لوحدته ودعمه الجماهيري.
إن الاختلاف مع المدير الفني حق مشروع، بل ربما يكون ضروريًا في بعض الأحيان، لكن الوقوف خلف المنتخب واجب لا ينبغي التنازل عنه. فبعد إعلان القائمة تصبح المعركة الحقيقية داخل المستطيل الأخضر، ويصبح من الضروري أن تتحول كل الآراء المتباينة إلى رسالة واحدة عنوانها دعم منتخب مصر.
وفي النهاية، قد يختلف المصريون حول لاعب أو مركز أو طريقة لعب، وقد تتباين آراؤهم بشأن المدير الفني وقدراته، لكن ما يجب ألا يختلفوا عليه أبدًا هو أن المنتخب الوطني يستحق المساندة في أصعب اللحظات قبل أسهلها. فالانتماء الحقيقي يظهر وقت الخلاف، أما وقت الانتصارات فالجميع يعرف طريق الاحتفال. واليوم، وقبل أن تنطلق رحلة كأس العالم، تبدو الرسالة الأهم هي أن مصر أكبر من أي اسم، وأن المنتخب يحتاج إلى أصوات التشجيع أكثر من حاجته إلى أصوات الانقسام.

تم نسخ الرابط