تبادل الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينج رسائل التهنئة بمناسبة الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، وتعد مصر إحدى محطات مبادرة الحزام والطريق الصينية. ويشير بعض المؤرخين إلى وجود أدلة على أن العلاقات المصرية الصينية ربما تمتد لآلاف السنين؛ حيث تشابهت الحضارة المصرية الأقدم من الحضارة الصينية بأن مجتمعيهما كانا يسيطران على مساحات شاسعة ويشيدان عمارة ضخمة، كما توجد رموز متكررة في الحضارتين مثل زهرة اللوتس رمز النور والنقاء والبصيرة، والصقر أو حورس الذي يراقب من السماء ويعتبر رمزًا للقوة والهيبة والسيادة والبصيرة أيضًا، كأنه حارس فرعوني لم يغادر السماء منذ آلاف السنين، وأيضًا رمز الجعران أو الخنفساء وهو رمز التجدد والحياة.
وبالتالي تتشابه الحضارتان اللتان كانتا تتعاملان مع أنهار كبيرة (النيل، النهر الأصفر) وأجهزة بيروقراطية، ويلاحظ الباحثون أوجه تشابه مثيرة للاهتمام بينهما، بل إن هناك تلميحات إلى وجود اتصال غير مباشر أو تجارة طويلة السلسلة؛ على سبيل المثال، يظهر الحرير من الصين في سياقات مرتبطة بمصر عبر شبكات تجارية لاحقة. وتشير بعض الدراسات إلى وجود أوجه تشابه كيميائية في القطع الأثرية المعدنية (على سبيل المثال، يقترح كيميائي جيولوجي صيني وجود روابط مع البرونز المصري).
وفي العصر الحديث، تعد العلاقات المصرية الصينية نموذجًا للتواصل والتفاهم، وقد مرت سبعون عامًا على عقد العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين الشعبية، ويعد البلدان من مؤسسي حركة عدم الانحياز، منذ أول لقاء جمع الجانبين: الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ورئيس مجلس الدولة الصيني "شو إن لاي" خلال الفترة من 18 حتى 24 أبريل عام 1955، على هامش مشاركتهما في المؤتمر الأفروآسيوي في مدينة باندونج بإندونيسيا.
وقد اعترفت مصر بالصين في 30 مايو 1956، حيث أصدرت الحكومتان بيانًا مشتركًا لإقامة علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء. مثّل هذا اعترافًا مهمًا، خاصة وأن مصر كانت أول دولة عربية وأفريقية تقوم بذلك، وصدر بيان مشترك بين الحكومتين المصرية والصينية في نفس اليوم لإقامة علاقات دبلوماسية؛ كان هذا الاعتراف خطوة مهمة وفتح الباب أمام الصين لإقامة علاقات رسمية مع دول عربية وأفريقية أخرى.
وهناك اهتمام كبير من الجانب الصيني بتعزيز العلاقات مع مصر باعتبارها دولة مهمة في إطار مبادرة الحزام والطريق، وكذلك تهتم الصين بتعزيز العلاقات مع كافة الدول العربية. والجدير بالذكر أنه عقدت حوالي إحدى عشرة قمة جمعت بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينج، أولها كانت في 22 ديسمبر عام 2014، وذلك في أول زيارة للرئيس للصين عقب انتخابه رئيسًا للجمهورية، أي بعد نحو 6 أشهر من توليه السلطة، ودشن هذا اللقاء البداية الحقيقية للتواصل بين القيادات السياسية في البلدين. ويعتبر أكثر من ثلث لقاءات القمة بين البلدين عقدت خلال السنوات التي أعقبت تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي، وكانت آخر قمة في بكين في مايو 2024 أثناء زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى بكين.
ويبلغ حجم الاستثمارات الصينية في مصر حوالي 7 مليارات دولار، وتوفر تلك الاستثمارات حوالي خمسة آلاف فرصة عمل في مصر، كما يوجد تركيز حاليًا للتعاون في مجالات الفضاء والسيارات الكهربائية والطاقة الجديدة والمتجددة والاقتصاد الرقمي وغيرها من القطاعات.
العمل والانضباط سر الطبخة الصينية
وقد شهدت الصين في الفترة الماضية نموًا بشكل أسرع من الصوت، وهو أمر شهدته بنفسي؛ حيث سافرت إلى الصين على مدى خمسة وعشرين عامًا ثلاث مرات، وكان آخرها العام الماضي، ورأيت في كل مرة صينًا مختلفة أكثر نموًا وتقدمًا. والسر خلف تلك الوصفة السحرية للتقدم يتلخص في كلمتين: العمل والانضباط، وهما مكونان أساسيان في الشخصية الصينية التي تحترم قيمة العمل وتعودت على الانضباط والعمل الجماعي؛ فلم أرَ كافيهات في كل مكان بل في أماكن قليلة، ولديهم اهتمام كبير بالزراعة، ففي كل مكان هناك ورود وأشجار لدرجة أنهم يحيطون الأشجار بأسياج من الحديد حتى تنمو واقفة ولا تميل فتأخذ مساحة أكبر مما يريدون.
و يقوم المجتمع الصيني على الزراعة في الأساس فحوالي ٨٠ % من الصينيين كانوا فلاحين و لكن الدولة استطاعت إعادة تأهيلهم ليعملوا ايضا في اعمال البناء و في المصانع ،في عام 1949، شكّل سكان الريف 89.36% من إجمالي سكان الصين، وانخفضت هذه النسبة إلى 40.42% بحلول عام 2018. ووفقًا للتعداد الوطني السابع للسكان، بلغ عدد سكان الريف في عام 2020 نحو 509.79 مليون نسمة، أي ما يعادل 36.11% من إجمالي السكان. ومن المتوقع أن يصل عدد سكان الريف إلى 451 مليون نسمة بحلول عام 2025، أي ما يعادل 32.26% تقريبًا من إجمالي السكان.
كما أن الصين تمتلك وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) الخاصة بها؛ فلا يوجد فيسبوك أو واتساب في الصين ولكن العديد من التطبيقات الأخرى الصينية، كما ينتشر بالطبع تطبيق التيك توك الصيني الأصل، وبالتالي أصبحت الصين لا تعتمد على الغرب ولا تحتاج أحدًا، بل إن الكثير من الدول تحتاجها، سواء كمصدر للمعادن النادرة التي تدخل في معظم الصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة، أو كمصدر للمنتجات الرخيصة التي تصدرها لكل العالم، من أول الصناعات العسكرية والطائرات والروبوتات والسيارات حتى أبسط المنتجات مثل الباور بانك للموبايلات. وتسعى الصين بقوة إلى وضع قدميها كقوة كبرى في عالم جديد متعدد الأقطاب وليس عالم القطب الأمريكي الواحد الذي بدأ في منحنى الهبوط، ولهذا تعتمد الصين على فكر جديد واستراتيجية اقتصادية تتمثل في مبادرة الحزام والطريق.
مصر محطة مهمة في مبادرة الحزام والطريق
والجدير بالذكر أن مبادرة (حزام واحد، طريق واحد) وتسمى أيضًا مبادرة الحزام والطريق، كما تعرف أيضًا بـ (طريق الحرير الجديد)، هي مبادرة صينية قامت على أنقاض طريق الحرير في القرن التاسع عشر من أجل ربط الصين بالعالم، لتكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية وتشمل عدة مناطق ودول من بينها مصر؛ ومنطقة قناة السويس بأكملها والمنطقة الاقتصادية التابعة لها جزء من المبادرة لأن المبادرة تقوم على الطريق الحريري البري والبحري، ومصر جزء أصيل من هذه المبادرة ولذلك كانت مصر بالفعل من أوائل الدول المنضمة لتلك المبادرة.
فقد أُعلنت المبادرة في 2013 وبدأت حيز التنفيذ في 2014، وكانت أول ثلاث دول هي كازاخستان وباكستان ثم مصر وهي الدولة الثالثة، ولذلك فقد بدأت الصين تنفيذ المبادرة مع مصر منذ وقت مبكر من إطلاقها؛ ففي إطار هذه المبادرة والمشروعات التي تتم في الوقت الحالي، يعمل الصينيون على إدخال جميع مشروعاتهم الثنائية ضمن هذه المبادرة، والتي بدورها ستقوم بفتح الطريق أمام مصر لقروض واستثمارات إضافية. وتمثل مصر بموقعها الاستراتيجي ووجود قناة السويس كممر مائي حيوي بها يجعلها نقطة محورية في الجانب البحري من المبادرة.
ويبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والصين حوالي 17 مليار دولار في عام 2024، بزيادة قدرها 9.9% عن عام 2023 الذي بلغ فيه الحجم حوالي 15.7 مليار دولار. شهدت التجارة نموًا في كل من الصادرات والواردات، مع زيادة ملحوظة في الصادرات المصرية إلى الصين، وهناك اهتمام متزايد بتوسيع الصادرات المصرية، خاصة المنتجات الزراعية، مثل الفواكه والخضروات، وقد تم تسجيل 480 شركة مصرية للتصدير إلى الصين في إطار تعزيز هذا التعاون، بينما تظل أهم السلع المستوردة من الصين: الآلات، والأجهزة الكهربائية، والمراجل، والأجهزة الآلية، والحديد والصلب، والسيارات، والدراجات، والمواد الكيميائية.
المنافسة الصينية الأمريكية
يقول المثل الصيني: "لا تقتل عدوك، فقط انتظر عند حافة النهر وستأتيك جثته"، وهو ما تقوم به الصين بالفعل؛ فهي توجه ضرباتها الاقتصادية بتركيز وبطء في مواجهة الصخب للإدارة الأمريكية الحالية وحرب الرسوم التجارية لإدارة ترامب، وتنتظر مزيدًا من إضعاف الاقتصاد الأمريكي، وفي نفس الوقت تركز الصين على مبادرة الحزام والطريق وتؤكد في خطواتها الثابتة أنها أصبحت القطب الأكبر المنافس اقتصاديًا للولايات المتحدة؛ حيث تداين الصين أمريكا بمبلغ 822 مليار دولار، نظرًا لأن الصين تحتل المرتبة الثانية بعد اليابان في قائمة أكبر الدول التي تملك سندات الخزانة الأمريكية بمبلغ حوالي 822 مليار دولار. ولكن واصلت الصين خفض حيازتها من هذه السندات؛ حيث انخفضت حيازتها بمقدار 13.6 مليار دولار في يوليو وحده، وبنسبة 17% أي ما يعادل 175 مليار دولار على مدار عام كامل.
ومنذ بداية الولاية الثانية لترامب، كان واضحًا أنه سيضاعف الضغط على الصين عبر المزيد من الرسوم الجمركية والقيود على التكنولوجيا واستخدام العقوبات الاقتصادية بحماسة. الهدف كان شل آلة التصنيع الصينية، وانتزاع تنازلات مالية وتجارية، وإبطاء تقدمها التكنولوجي. بعض مساعديه حلموا بـ”صفقة كبرى” تلتزم فيها الصين بإصلاح رأسماليتها الحكومية مقابل تخفيف واشنطن قبضتها عنها.
لكن بعد عدة أشهر من التصعيد، تبدو الصين أكثر راحة من أمريكا لثلاثة أسباب:
أولاً: لأنها أثبتت قدرتها على مقاومة الضغوط الأمريكية والرد بمهارة فيما يعرف بـ”الهيمنة التصعيدية”، ويعزو بعض المنتقدين ذلك إلى ما يسمونه “تَكو” — ترامب دائمًا يتراجع، لكن الأهم أنه يعكس قوة الصين واستعدادها وحسن إدارتها. فقد فرض ترامب في أبريل العام الماضي “رسوم تحرير” جديدة على الصين، لكنه تراجع بعد هبوط وول ستريت. ومؤخرًا، عندما حدّت بكين من تصدير المعادن النادرة المستخدمة في التكنولوجيا المتقدمة، هدد ترامب بفرض رسوم بنسبة 100%، ثم تراجع مرة أخرى. تهديداته بفرض حصار اقتصادي شبه كامل على الصين تفتقر إلى المصداقية؛ لأن تنفيذها سيضر بأمريكا نفسها.
ثانيًا: وقد ظهرت القوة والندية الصينية في التعامل في القمة الأمريكية الصينية التي عقدت منذ عدة أيام، ولكن على الرغم من الاتفاق على تخفيف حدة التوتر التجاري بين بلديهما، فيجب ألا يُخدع أحد: ما يتكشف أمامنا ليس مصالحة بين قوتين، بل سباق محموم بين عملاقين يسعيان إلى تسليح نفوذهما الاقتصادي.
ثالثًا: وتضع الصين نظامًا ماليًا مختلفًا عن نظام سويفت الأمريكي، كما تتعامل مع دول مجموعة الآسيان تجاريًا بعملات مختلفة عن الدولار، وتشجع فكرة إيجاد عملة لدول مجموعة البريكس والتي انضمت لها مصر وتضم الصين، وروسيا، والهند، والبرازيل، وجنوب إفريقيا، وإثيوبيا، وإيران، والإمارات العربية المتحدة، وإندونيسيا.
ورغم أن الصين تبدو حتى الآن هي الرابح في حرب ترامب التجارية، إلا أن بعض الخبراء يحذرون من أن الانسحاب من نظام التجارة المفتوحة قد يجعل الجميع في نهاية المطاف خاسرين.