هناك تصريح مهم ل ( بيل جيتس ) صاحب شركة مايكروسوفت العالمية ، يزعم فيه أنه بحلول العام 2035 م ستكون هناك العديد من المهن المهددة بالانقراض ، وأن على رأس هذ المهن والوظائف : الطبيب والمعلم ! ، وحسب وجهة نظره فإن هناك ثلاثة مهن ستقاوم هذا التهديد وهي :
- مهنة المبرمج ، وهي المهنة التي تحتاجها تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لتطويرها ، حيث إن من يقوم على تطوير الذكاء الاصطناعي هو الإنسان نفسه ، والعقل البشري وحده القادر على ذلك .
- مهنة خبراء الطاقة ، الذين سيحتفظون بوظائفهم نظرا لتعقيد شبكات إدارة الطاقة ، وكثرة التفاصيل التي ينبغي القيام بها على أرض الواقع
- مهنة علماء الأحياء ، الذين بإمكانهم التوصل إلى الاكتشافات العلمية الحديثة والاختراعات التي لا يمكن التوصل إليها إلا من خلال العقل البشري
وربما تتفق أو تختلف مع مقولات بيل جيتس ، لكنك لا يمكن أن تتجاهل وجهة نظر أحد الأشخاص الذين لديهم القدرة على الرؤية الدقيقة لواقع ومستقبل العالم ، انطلاقا من معطيات الواقع ، ومؤشرات التطور الهائلة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجالات المتعددة .
تخيل - عزيزي القاريء - أنك استيقظت ذات صباح بعد عشرين عاما- متعكم الله بالعافية وطول العمر - فوجدت أن كثيرا من الوظائف التي نعرفها اليوم أصبحت مجرد ذكريات تروى للأجيال الجديدة، تماما كما نتحدث نحن الآن عن عامل التلغراف أو بائع أشرطة الكاسيت باعتبار أنه جزء من الماضي ، قد يبدو الأمر خيالاً، لكنه في الحقيقة جزء من التحولات الكبرى التي يشهدها العالم بفعل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي .
لقد اعتاد التاريخ أن يطوي صفحات مهن ويكتب أخرى جديدة ، فمع ظهور السيارة اختفت مهن مرتبطة بعربات الخيول، ومع انتشار الحواسيب تراجعت الحاجة إلى كتبة الآلات الكاتبة ، واليوم يقف الذكاء الاصطناعي على أعتاب مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة سوق العمل بالكامل .
و من بين المهن الأكثر عرضة للتراجع وظائف إدخال البيانات والأعمال المكتبية الروتينية ، فالبرامج الذكية باتت قادرة على معالجة آلاف السجلات في دقائق معدودة، وبدرجة عالية من الدقة، دون الحاجة إلى ساعات طويلة من العمل البشري ، كما أن كثيراً من مهام خدمة العملاء التقليدية أصبحت تنجز عبر المساعدات الذكية وروبوتات المحادثة ( الشات بوت ) التي تعمل على مدار الساعة .
ولن تكون قطاعات النقل بمنأى عن هذه التحولات ، فمع التطور المستمر للمركبات ذاتية القيادة، قد تتراجع الحاجة مستقبلا إلى بعض وظائف السائقين، خاصة في مجالات النقل المتكرر والرحلات المحددة المسارات مثل المترو أو المونوريل أو القطارات الكهربائية ، كما أن أنظمة الدفع الإلكتروني والتجارة الرقمية بدأت بالفعل في تقليص أعداد العاملين في بعض الوظائف المرتبطة بالتحصيل النقدي أو موظف الخزينة والخدمات التقليدية .
وفي المجال الإعلامي، أصبحت برامج الذكاء الاصطناعي قادرة على كتابة الأخبار القصيرة والتقارير المبنية على البيانات، وتصميم الصور والفيديوهات، وترجمة المحتوى في ثوان معدودة ، ومع ذلك فإن الصحفي المبدع القادر على التحليل والاستقصاء وصياغة الرؤى سيظل محتفظا بمكانته، لأن الإبداع الإنساني لا يزال يتجاوز حدود الخوارزميات .
لكن السؤال الأهم ليس: ما المهن التي ستختفي؟ بل: ما المهارات التي ستبقى؟
الحقيقة أن المستقبل لا يعاقب أصحاب المهن بقدر ما يكافئ أصحاب المهارات القابلة للتطور، فالوظائف القائمة على التكرار والقواعد الثابتة هي الأكثر عرضة لأن يحل الذكاء الاصطناعي محلها أو ما يعرف ب ( الأتمتة ) ، بينما تزداد قيمة المهارات الإنسانية مثل التفكير النقدي، والإبداع، والقيادة، والتواصل، وحل المشكلات المعقدة .
والمفارقة أن التكنولوجيا التي ستقضي على بعض الوظائف ستخلق في الوقت نفسه وظائف جديدة لم تكن موجودة من قبل، فمن كان يتخيل قبل سنوات قليلة ظهور متخصصين في الذكاء الاصطناعي، أو مهندسي البيانات الضخمة، أو خبراء الأمن السيبراني، أو مصممي الواقع الافتراضي؟ إن كل ثورة تقنية تغلق أبوابا لكنها تفتح أبوابا أخرى أكثر اتساعا لمهن جديدة ترتبط بالواقع التقني الجديد .
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الأفراد والمؤسسات التعليمية ليس مقاومة المستقبل، بل الاستعداد له، فالعالم لا يسأل اليوم: ماذا تعمل؟ بل يسأل: ماذا تستطيع أن تتعلم؟ لأن القدرة على التعلم المستمر والتكيف مع معطيات الواقع أصبحت أهم من أي وظيفة ثابتة .
وفي النهاية نقول : قد تختفي مهن كثيرة خلال العقود المقبلة، لكن هناك مهنة واحدة لن تختفي أبداً، هي مهنة الإنسان القادر على التجدد والتكيف والإبداع ، وسيظل العقل البشري هو أقيم ما خلق الله تعالى ، فالتكنولوجيا مهما بلغت قوتها تظل أداة، أما العقل البشري فهو الذي يوجهها ويمنحها معناها وقيمتها ، بل هو الذي ينشئها ويطورها ، وسبحان من ( عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) الآية رقم 5 من سورة العلق