سوزي الجنيدى
من الصعب قياس حسابات المكسب و الخسارة للحرب الأمريكية الإسرائيلية علي إيران الآن فتداعيات و نتائج تلك الحرب ستستمر لسنوات قادمة ولكن الامر المؤكد أن واشنطن فشلت في تحقيق أهدافها من تدمير النظام الإيراني و احداث فوضي و تكرار سيناريو العراق و السيطرة التامة علي النفط الإيراني مثلما حدث في فنزويلا ، و إنهاء البرنامج النووي الايراني، ةبالتالي فالحديث عن اتفاق أمريكي ايراني حاليا بشير الي ان ادارة ترامب أدركت انه لا أمل في الوصول للاهداف التي خططت لها ، و الامر المؤكد أن إيران كانت قد استعدت بقوة و مهارة لسيناريو الحرب ضدها ،ففي حين ظن ترامب و نتنياهو ان النظام الإيراني سيسقط بسهولة لو تم اغتيال الرؤوس و سيعم الفوضي الامر الذي سيسهل القضاء علي النظام و الاستيلاء علي النفط الإيراني و اليورانيوم المخصب فإن ذلك لم يحدث ، بل استطاعت طهران إعاقة الملاحة في مضيق هرمز بسهولة و افشلت تكرار سيناريو العراق الذي لم يعد كما كان من قبل لدرجة ان إسرائيل قامت ببناء قاعدتين في الصحراء العراقية للتجسس و تزويد الطائرات الإسرائيلية بالوقود لضرب إيران بدون علم السلطات هناك ، فقد حاربت طهران معركة وجود بعد أن تعلم الشعب الإيراني من تجربة العراق جيدا ، و لهذا أظهر قوة و صمود و تضامن ،و نجح النظام الإيراني في لعبة المراوغات و تضيع الوقت امام الإدارة الأمريكية التي لا تملك اى صبر و تريد تحقيق نتائج سريعة و تكرار نموذج فنزويلا ، طهران أدركت أن إطالة امد الحرب لشهرين سينهيها لصالحها ، خاصة و أن ترامب سيحتاج لتفويض من الكونجرس لشن حرب عسكرية بعد ٦٠ يوم من بداية العمليات العسكرية لانه لم يستشر الكونجرس منذ البداية و لم يحصل علي تفويض منه ظنا انه سينهي الأمر بسرعة ، و نجح الصبر الإيراني في زيادة الخلافات داخل الإدارة الأمريكية و زيادة الاستقالات و الاقالات في وزارة الحرب و داخل الادارة و هو ما شكل ضغطا علي ترامب ااذي يواجه انتخابات تجديد نصفي للكونحرس بمجلسيه في نوفمبر القادم ، بجانب ان إغلاق إيران لمضيق هرمز ادي لازمة اقتصادية عالمية بجانب معاناة الشعب الأمريكي من ارتفاع اسعار الوقود ، و اثبت ذلك انوالنضيق اهم من القنبلة النووية ،
و قد واجه ترامب معارضة من بعض الدول العربية والخليجية و علي راسها مصر من استمرار العمليات العسكرية حتي ان السعودية نفسها بدأت تطالب بإنهاء هذه الحرب التي أثرت اقتصاديا و أمنيا علي دول الخليج و ادت لمزيدا من الانقسامات داخلها خاصة بين السعودية و الامارات، و قد قدمت السعودية أفكارا للتهدئة مع إيران حيث ذكرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن الرياض طرحت فكرة اتفاقية عدم اعتداء بين دول الشرق الأوسط وإيران علي غرار نموذج اتفاقية هلسنكي لعام 1975، الموقعة بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية والاتحاد السوفيتي وحلفائها لتنظيم القضايا الأمنية وتوسيع التعاون الاقتصادي خلال الحرب الباردة بحيث يؤدي تطبيق هذه الاتفاقية في الشرق الأوسط الي ترسيخ التزاماً متبادلاً بين الدول الموقعة وإيران بالامتناع عن أي عدوان، مع تقديم ضمانات أمنية لطهران بعدم تعرّض الجمهورية الإسلامية لأي هجوم بحيث يتم إدارة دول المنطقة لشؤونها الداخلية بدون فرض من الخارج ، و هي افكار مهمة تسعي من خلالها الرياض لاقناع طهران بالتعاون و كذلك بالتخلي عن اذرعها في المنطقة في لبنان ممثلا في حزب الله و في اليمن ممثلا في الحوثيين و بعض الأطراف في العراق و سوريا و هو أمر ليس سهلا لان ايران تدرك أن تلك الأذرع هي مصدر قوة و تعطيها قدرة أكبر علي الضغط و المراوغة
بنود الاتفاق
و الواضح من التسريبات ان الاتفاق الأمريكي الإيراني يتضمن عدة بنود و قد اكد الرئيس ترامب ان إنفاقه أفضل بكثير من اتفاق اوباما مع إيران حيث ذكر ان " الاتفاق النووي الإيراني، الذي طرحه ووقعه باراك حسين أوباما وفريق إدارته غير المؤهلين، من أسوأ الصفقات التي أبرمتها بلادنا على الإطلاق. لقد كان طريقًا مباشرًا لإيران لتطوير سلاح نووي. أما الصفقة التي تتفاوض عليها إدارة ترامب حاليًا مع إيران، فالأمر مختلف تمامًا، بل على العكس تمامًا! تجري المفاوضات بشكل منظم وبنّاء، وقد أبلغت ممثليّ بعدم التسرع في إبرام أي اتفاق، فالوقت في صالحنا. سيظل الحصار ساريًا ونافذًا حتى يتم التوصل إلى اتفاق واعتماده وتوقيعه. يجب على كلا الجانبين التريث والتأكد من صحة الاتفاق. لا مجال للخطأ! علاقتنا مع إيران تتطور نحو مزيد من المهنية والإنتاجية. مع ذلك، يجب أن يدركوا أنهم لا يستطيعون تطوير أو امتلاك سلاح أو قنبلة نووية. أود أن أشكر جميع دول الشرق الأوسط على دعمها وتعاونها، والذي سيتعزز أكثر بانضمامها إلى دول اتفاقيات إبراهيم التاريخية، ومن يدري، ربما ترغب الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الانضمام أيضًا!" و كل تلك الكلمات تعكس محاولات من ترامب لإظهار انه حقق مكاسب و ان اتفاقه أفضل من الاتفاق الذي ابرمه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وان هناك إمكانية لانضمام مزيد من الدول الاتفاقات الإبراهيمية و كلها أمور غير مؤكدة و كأنه كما يقول المثل المصري يريد ان يشتري سمك لايزال في الماء ،
و حتي الان فان التسريبات تشير الي ان اتفاق ترامب يتضمن انه يتعين على إيران إعادة حركة السفن في مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب خلال 30 يوم ، وفي المقابل تلتزم الولايات المتحدة برفع الحصار البحري بالكامل خلال الفترة نفسها،
و ذكر موقع أكسيوس ان الطرفين سيوقعان مذكرة تفاهم لمدة 60 يومًا قابلة للتمديد بالتراضي ، وخلال هذه الفترة، سيُفتح مضيق هرمز دون رسوم عبور، وستوافق إيران على إزالة الألغام التي زرعتها في المضيق للسماح بمرور السفن بحرية.
في المقابل، سترفع الولايات المتحدة حصارها عن الموانئ الإيرانية وتمنح إيران بعض الإعفاءات من العقوبات للسماح لها ببيع النفط بحرية، و كلما أسرعت إيران في إزالة الألغام واستئناف حركة الملاحة، كلما رُفع الحصار أسرع بحيث يكون المبدأ الأساسي الذي وضعه ترامب في الاتفاق هو "الإعفاء مقابل الأداء و قد أرادت إيران رفع تجميد الأموال على الفور وإلغاء العقوبات بشكل دائم، لكن الجانب الأمريكي قال إن ذلك لن يحدث إلا بعد تقديم تنازلات ملموسة،
و أشارت التسريبات ان مسودة مذكرة التفاهم تتضمن التزامات من إيران بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية، والتفاوض بشأن تعليق برنامج تخصيب اليورانيوم وإزالة مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب ، و في المقابل ستوافق الولايات المتحدة على التفاوض بشأن رفع العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة خلال فترة الستين يومًا، على أن تُنفذ هذه الخطوات فقط كجزء من اتفاق نهائي قابل للتحقق و كذلك توضح مسودة مذكرة التفاهم أن الحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان ستنتهي. و قد أفادت ثلاثة مصادر مطلعة أن الرئيس ترامب استطلع آراء عدد من القادة العرب والمسلمين حول الاتفاق خلال مكالمة جماعية يوم السبت، وأعربوا جميعاً عن دعمهم له ،ة شملت المكالمة الرئيس عبد الفتاح السيسي و الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، كما شارك في المكالمة قادة السعودية وقطر وتركيا وباكستان، وجميعها دول منخرطة في جهود الوساطة.
ولكن الاتفاق لم يصل بعد إلى مرحلته النهائية و تريد واشنطن من طهران التزاماً واضحاً بالتخلص من اليورانيوم عالي التخصيب، إلى جانب التعهد بحل القضايا النووية الأخرى العالقة.
و يتضمن الاتفاق تمديدا لوقف إطلاق النار لمدة 60 يوما، يعاد خلالها فتح مضيق هرمز، ويسمح لإيران ببيع النفط بحرية، وتجرى مفاوضات بشأن كبح برنامجها النووي. ومن شأن هذا الاتفاق تجنب تصعيد الحرب وتخفيف الضغط على إمدادات النفط العالمية. و تنص مسودة مذكرة التفاهم بوضوح على إنهاء الحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان. لن يكون "وقفا أحادي الجانب لإطلاق النار"، إذا حاول حزب الله إعادة التسلح أو شن هجمات، فسيسمح لإسرائيل باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنعه. بنص واضح "إذا التزم حزب الله بالقواعد، ستلتزم إسرائيل بها".
و يؤكد ترامب ان هذا الاتفاق أفضل من الاتفاق النووى الإيراني الذي تم في عهد اوباما في 2015 و هو الاتفاق الذي قام ترامب بالانسحاب منه في 8 مايو 2018 في ولايته الاولي وقد انسحبت واشنطن من الاتفاق وأعادت فرض عقوبات اقتصادية صارمة على طهران، مما دفع الأخيرة إلى التراجع عن التزاماتها النووية تدريجياً ,
و بدات بزيادة عمليات تخصيب اليورانيوم وتقليص تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية رداً على العقوبات.
إعادة إحياء اتفاق إيران مع الوكالة الدولية برعاية مصرية
و الجدير بالذكر ان مصر كانت قد قامت برعاية و استضافة مفاوضات بين إيران و الوكالة الدولية للطاقة الذرية و تم في مصر في سبتمبر 2025 توقيع اتفاقاً ثلاثياً بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية برعاية مصرية، يهدف إلى استئناف التعاون الفني ووضع خطوات عملية للتحقق في المنشآت النووية الإيرانية وزيادة إجراءات الشفافية، إلا أن طهران أعلنت إلغاء العمل بهذا الاتفاق في نوفمبر 2025 بعد تعرضها لهجمات أمريكية
و فد يسعي ترامب لاتفاق أشمل وأكثر صرامة من اتفاق اوباما بحيث لا يقتصر فقط على الأنشطة النووية، بل يشمل أيضاً وقف برنامج الصواريخ الباليستية وإنهاء دعم إيران للمليشيات في المنطقة.
و لكن أثبتت الحرب ان الخطر ليس فقط في برنامج إيران النووى او الصواريخ البالستية او حتي أذرع إيران في دول المنطقة بل الخطر الأكبر في قدرة طهران علي السيطرة علي مضيق هرمز و منع الملاحة الأمر الذي يؤثر علي العالم كله ، فقضية الملاحة أصبحت البند الأكثر حساسية داخل محادثات وقف الحرب، لأن النقاش لم يعد يقتصر على وقف الضربات أو تبادل التهدئة، وإنما انتقل إلى سؤال أكثر عمقا يتعلق بكيفية إدارة الخليج بعد توقف العمليات العسكرية، وهل تعود الملاحة إلى النظام القديم القائم على حرية المرور الكاملة، أم يتم الاعتراف ضمنيا بترتيبات أمنية جديدة تمنح إيران دورا دائما في تنظيم العبور الانى الذي بمنح ايران دورا قياديا مهما و قد ادركت الإدارة الأمريكية أن القضية الأساسية أصبحت تتعلق بحماية النظام البحري العالمي الذي قامت عليه الهيمنة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، و لهذا فان ترامب اصبح يفضل الحل السياسي و التفاوضي و ليس العسكري ، خاصة بعد زيارته الأخيرة الصين فموقف كلا من موسكو و بكين كان مساندا لطهران باشكال مخنلفة و قد اضطر ترامب للاعتراف ان هناك مساعدات تكنولوجية تقدمها الصين و روسيا لإيران ، و قد سارعت دول أوروبية بالتدخل ووضع أفكار لكيفية التعاون لفتح مضيق هرمز و هو ما سيسحب البساط من تحت قدم إدارة ترامب و لهذا فضل الإسراع بالحل التفاوضي بعد أن أصبحت الممرات البحرية بمثابة أدوات مباشرة لإعادة توزيع القوة العالمية بعد عقود من العولمة والانفتاح التجاري، وهو ما يفسر القلق الدولي المتزايد من “عدوى المضائق” واحتمال انتقال هذا النموذج إلى مناطق أخرى حول العالم ، و بالطبع فان إيران تراهن على أن العالم يحتاج إلى استقرار المضيق أكثر مما تحتاج هي إلى إغلاقه، ولذلك تحاول استخدام هذه الحاجة الدولية لفرض معادلة جديدة تجعل أي استقرار مستقبلي في الخليج مرتبطا بالاعتراف بدورها الأمني والسياسي، وليس فقط بوقف الحرب الحالية.
الامر المؤكد أن تداعيات ونتائج هذه الحرب علي المنطقة و العالم ستستمر في الظهور لأعوام قادمة في ظل حسابات المكسب والخسارة لكل الأطراف.