ترامب و«حرب الـ AI» ضد إيران.. ضغط دبلوماسي أم فراغ سياسي؟
في ظل تصاعد الخطاب الرقمي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران، وتكرار نشره محتوى بصريا ورسائل مثيرة للجدل تتضمن تهديدات مباشرة أو رمزية، كان أحدثها نشر خريطة لإيران يتداخل معها العلم الأمريكي، تبرز تساؤلات حول دلالات هذه الرسائل، وما إذا كانت تعكس مجرد أسلوب شخصي في التواصل أم أداة سياسية لها أهداف استراتيجية تتجاوز المجال الإعلامي.
وفي هذا السياق، قالت نهال الشافعي، الباحثة في الشؤون السياسية والاستراتيجية، إن ما يقوم به ترامب لا يمكن فهمه باعتباره مجرد سلوك دعائي أو اندفاعا شخصيا، وإنما يندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ«الدبلوماسية الرقمية الضاغطة»، حيث تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى أدوات لإدارة الصراع النفسي والسياسي بالتوازي مع أدوات القوة التقليدية.

وأوضحت الشافعي، في تصريحات خاصة لموقع “نيوز رووم”، أن استخدام الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، أو الرسائل التي تحمل إيحاءات بصرية عن السيطرة أو إعادة تشكيل المجال الجغرافي، يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية “إدارة الإدراك” في الصراعات الحديثة، بحيث لا يصبح الهدف فقط توجيه تهديد عسكري مباشر، بل خلق تأثير نفسي وسياسي ممتد لدى الخصم والحلفاء والرأي العام الدولي في الوقت ذاته.
من الخطاب السياسي إلى الحرب النفسية الرقمية
أكدت نهال الشافعي أن ترامب يعتمد على نموذج اتصال سياسي قائم على “الصدمة الرمزية”، حيث تُستخدم الصورة والرمز واللغة الحادة لإنتاج أثر سياسي سريع وعميق يتجاوز أحيانًا أثر التصريحات الرسمية التقليدية.
وأضافت الباحثة السياسية أن نشر خريطة لإيران بعلم الولايات المتحدة لا ينبغي قراءته بصورة حرفية باعتباره إعلانًا عن نية احتلال أو تغيير جغرافي مباشر، وإنما باعتباره رسالة متعددة المستويات تستهدف إظهار الهيمنة الرمزية، وإعادة ترسيخ صورة الولايات المتحدة باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على فرض قواعد الردع.
وأشارت الشافعى إلى أن هذه الرسائل غالبًا ما تُصمم لإبقاء الخصم في حالة “غموض استراتيجي”، بحيث يصبح من غير الواضح ما إذا كانت تمثل مجرد ضغط إعلامي أم مقدمة نفسية لسياسات أكثر تشددًا، وهو ما يخلق حالة من القلق والحسابات المعقدة لدى الأطراف المقابلة.

هل تؤثر منشورات ترامب على مسار الحرب؟
وأوضحت الباحثة السياسية أن تأثير هذه المنشورات لا يجب المبالغة فيه، لكنه أيضًا لا يمكن التقليل من أهميته، لأن الحروب الحديثة لم تعد تدار فقط بالتحركات العسكرية، وإنما عبر معركة الإدراك العام، والحرب النفسية، وصناعة التصورات الذهنية.
وأضافت أن الخطاب السياسي الرقمي قد يؤثر على البيئة المحيطة بالصراع من خلال رفع أو خفض سقف التوقعات، وتعزيز مناخ الردع أو التوتر، والتأثير على حسابات الرأي العام، وحتى إرسال إشارات سياسية غير مباشرة إلى الحلفاء والخصوم.

وتابعت الشافعي: “في كثير من الأحيان، تتحول منشورات القادة إلى جزء من أدوات التفاوض غير المباشر، أو وسيلة لاختبار ردود الفعل السياسية والإعلامية، بما يسمح بإعادة ضبط موازين الضغط دون اللجوء إلى تصعيد عسكري فوري”.
بين صناعة الردع ومخاطر سوء التقدير
وحذرت نهال الشافعي من أن الإفراط في استخدام الرسائل الصدامية أو الصور الاستفزازية قد يحمل نتائج عكسية، لأن التصعيد الرمزي المستمر قد يدفع الأطراف الأخرى إلى إعادة تفسير النوايا السياسية بصورة أكثر تشددًا، ما يرفع احتمالات سوء التقدير الاستراتيجي.

وأكدت أن الخطورة لا تكمن فقط في مضمون الرسالة، بل في البيئة المتوترة التي تُستقبل فيها، حيث يمكن أن تتحول الإشارات الرقمية إلى عنصر إضافي في تسريع التصعيد أو تعقيد فرص الاحتواء الدبلوماسي.

وأضافت الشافعي: “نحن أمام مرحلة لم تعد تُدار فيها الصراعات عبر الجيوش فقط، بل عبر الصورة والرمز والخوارزميات ومنصات التواصل. وفي هذا السياق، قد لا تكون منشورات ترامب مجرد ضجيج إعلامي، وإنما جزء من معركة أوسع تُخاض على مستوى الوعي، والردع النفسي، وإعادة تشكيل إدراك القوة في النظام الدولي”.
هل تقترب الحرب حقا؟
واختتمت نهال الشافعي تحليلها بالتأكيد على أن قراءة مثل هذه الرسائل ينبغي أن تتم بحذر، لأن التصعيد الإعلامي لا يعني بالضرورة اقتراب مواجهة عسكرية مباشرة، لكنه يعكس ارتفاع مستوى الضغط السياسي والنفسي داخل المشهد الإقليمي والدولي.
وأضافت الشافعي: “المشكلة الأساسية ليست في المنشور ذاته، وإنما في قدرته على التأثير في حسابات الأطراف المختلفة. ففي لحظات التوتر الكبرى، قد تتحول الإشارات الرمزية الصغيرة إلى عوامل تضخم المخاوف، وتدفع الجميع إلى اتخاذ قرارات أكثر حدة. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل الحرب قادمة؟ بل: كيف تؤثر الحرب النفسية الرقمية في شكل القرار السياسي والعسكري؟”.



