بينما أكتب هذه الكلمات إليكم، أكون بإذن الله وحوله وقوته وفضله في الطريق إلى مدينة رسول الله ﷺ، متوجهًا لأداء فريضة الحج، أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.
هذا الشرف العظيم الذي يمنّ الله به على من يشاء من عباده، تتزاحم فيه مشاعر لا يصفها لسان؛ شوقٌ إلى بيت الله، وحنينٌ إلى تلك المواطن التي مشى فيها النبي ﷺ وصحابته الكرام، ورجاءٌ أن يجعلنا الله من المقبولين.
ومع هذه الرحلة المباركة، يراود بعض الناس سؤال مهم: هل من لم يُكتب له الحج هذا العام يكون قد حُرم الخير كله؟ وهل من بقي في بلده قد فاته الأجر العظيم؟
والجواب: كلا، والله. فإن فضل الله أوسع من أن يُحصر، ورحمته أعظم من أن تُغلق أبوابها في وجه من صدق مع الله وإن لم يبلغ المشاعر المقدسة.
لقد جعل الله في العشر الأوائل من ذي الحجة من الفضائل والنفحات ما يفتح أبواب الخير لكل مسلم، الحاج وغير الحاج. قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وقال رسول الله ﷺ: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» يعني أيام العشر.
بل إن النبي ﷺ دلّنا على أعمال قد ينال بها المسلم أجر الحج والعمرة وهو في بلده، من فضل الله وكرمه، ومن ذلك الحديث العظيم الذي رواه الترمذي وحسنه بعض أهل العلم: «من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين؛ كانت له كأجر حجة وعمرة»، قال ﷺ: «تامة، تامة، تامة».
تأمل هذا الفضل العظيم! رجل جلس بعد الفجر في المسجد.. وها هي امرأة تجلس في مصلاها، كل منهم يذكر الله، يسبح ويستغفر ويقرأ القرآن حتى تشرق الشمس، ثم يصلي ركعتين، فيكتب الله له ولها أجر حجة وعمرة كاملة. إنه فضل الله الذي يؤتيه من يشاء.. أي من يريد هذا الفضل ويسعى إليه مجتهدًا قائمًا.
ولذلك لا ينبغي لمسلم أن يظن أن أبواب الخير قد أغلقت دونه إذا لم يحج، بل لعل الله يفتح له من أبواب الطاعة والقبول ما يبلغه منازل عالية عنده سبحانه.
ومن أعظم ما يتقرّب به في هذه الأيام: الإكثار من التكبير والتهليل والتحميد، والصيام، والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وقراءة القرآن، والمحافظة على الصلوات، وكثرة الدعاء، خاصة يوم عرفة، ذلك اليوم الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة».
إنها أيام ليست كغيرها، مواسم يفتح الله فيها أبواب رحمته، ويرفع فيها الدرجات، ويضاعف فيها الحسنات، فالسعيد من عرف قدرها، واغتنم ساعاتها، وأقبل فيها على الله بقلب صادق.
أسأل الله ونحن في طريقنا إلى هذه الرحلة المباركة أن يكتب لنا ولكم القبول، وأن يرزق كل مشتاق زيارة بيته الحرام، وأن يجعل هذه الأيام فاتحة خير وبركة ورحمة على مصرنا الحبيبة وعلى الأمة العربية والإسلامية كلها وعلى الناس أجمعين، اللهم آمين.