كيف يهزم الإنسان هواه؟.. علي جمعة يكشف سر مجاهدة النفس
أكد الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن البداية الحقيقية لتربية الإنسان تكمن في مجاهدة النفس ومخالفة الهوى، موضحًا أن العبد كلما قاوم شهواته ورغباته المخالفة لمراد الله ارتقى في طريق التربية والإيمان، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الناس ينخدعون بالخوارق والكرامات الظاهرة، بينما الأصل الحقيقي هو الاستقامة والصدق مع الله.
وأوضح أن الإنسان ينبغي أن يدرب نفسه دائمًا على مخالفة ما يدعوها إلى الكِبر أو الشهوة أو المعصية، لأن تهذيب النفس هو مفتاح الوصول إلى الطمأنينة والقرب من الله، لافتًا إلى أن التربية الصادقة تقوم على الذكر والفكر وموافقة الشرع، لا على المظاهر الخارقة التي قد يظن البعض أنها دليل على الولاية والصلاح.

قصة عمر بن الخطاب مع الرجل اليهودي
وسرد عضو هيئة كبار العلماء قصة تُروى عن عمر بن الخطاب مع رجل يهودي كان يعيش في المدينة قبل إجلاء اليهود من الجزيرة العربية، وكان يُعرف بقدرته على معرفة ما وراء الحائط وكشف بعض الأمور الخفية، حتى إن سيدنا عمر ذهب إليه بنفسه ليتحقق من أمره.
وأشار إلى أن الرجل عرف مجيء عمر قبل أن يفتح الباب، بل وعرف سبب حضوره، فسأله عمر عن سر ما وصل إليه، فأجاب بأنه كان يعرض كل أمر على نفسه؛ فإن اشتهته منعه عنها، وإن كرهته ألزمها به، فبيّن عمر أن سر ما وصل إليه هو مجاهدة النفس ومخالفة الهوى.
وشدد علي جمعة على أن ما يُعرف بخوارق العادات قد يحدث لبعض الناس، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، لكنها ليست دليلًا على القرب من الله أو الولاية، موضحًا أن الكرامة الحقيقية تكون للمؤمن الصالح المستقيم على أمر الله.
وأضاف أن بعض الأشخاص قد يمتلكون قدرات غير مألوفة؛ كمعرفة بعض الأمور الخفية أو القيام بأفعال خارقة، لكن ذلك لا يعني صلاحهم، بل قد تكون مجرد نعمة من نعم الله، مثل المال أو القوة أو الذكاء، فإن لم تُستخدم في طاعة الله أصبحت وبالًا على صاحبها.
وأكد أن الإنسان قد يطير في الهواء أو يمشي على الماء، ومع ذلك لا يكون صالحًا ولا وليًا، موضحًا أن العبرة ليست بالخوارق، وإنما بصدق العبودية والاستقامة على الشرع، مستشهدًا بقول أهل العلم: “إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الشرع”.

كيف قادت مجاهدة النفس الرجل إلى الإسلام؟
وأوضح علي جمعة أن عمر بن الخطاب دعا الرجل اليهودي إلى الإسلام، وقال له إنه رجل صالح ولو أسلم لبلغ منزلة عظيمة، فطلب الرجل مهلة ثلاثة أيام للتفكير، ثم عاد بعدها معلنًا إسلامه ونطقه بالشهادتين.
وكشف الرجل لعمر أن سبب إسلامه أنه حين عرض الإسلام على نفسه وجد منها نفورًا شديدًا، فبحث في داخله عن سبب هذا الرفض، فاكتشف أن العناد والحسد والعصبية والتكبر هي التي تمنعه من قبول الحق، فقرر التوبة والتخلص من تلك الآفات، ليهديه الله إلى الإسلام.
واختتم علي جمعة بالتأكيد على أن طريق الله الحقيقي لا يقوم على البحث عن الخوارق أو المظاهر، وإنما على الصدق مع النفس، ومحاسبتها، والالتزام بالشرع، ومجاهدة الهوى، موضحًا أن التربية الحقيقية هي التي تدفع الإنسان إلى مراجعة قلبه باستمرار حتى يصل إلى الاستقامة والطمأنينة.





