بين التاريخ والدعاية.. القصة الكاملة لعيد النصر الروسي
في التاسع من مايو من كل عام، تتحول الساحة الحمراء في موسكو إلى مسرح لاستعراض القوة، حيث تحتفل روسيا بـ "عيد النصر" على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، وهو أحد أهم الأعياد الوطنية في البلاد وأكثرها حضورًا في الوعي الجمعي، لما يحمله من رمزية تاريخية وإنسانية عميقة.

لماذا 9 مايو؟
بينما تحتفل معظم دول أوروبا والولايات المتحدة بالنصر في الثامن من مايو، تنفرد روسيا وصربيا وبيلاروسيا بالتاسع منه، هذا الاختلاف نابع من تفصيل زمني، فالتوقيع النهائي على استسلام ألمانيا تم في وقت متأخر من يوم 8 مايو 1945 في برلين، وكان التوقيت حينها قد تجاوز منتصف الليل في موسكو، ليبدأ يوم جديد سجلته الذاكرة السوفيتية يوما للنصر.

من العزاء الشخصي إلى التقديس السياسي
لم يكن يوم النصر عطلة رسمية في العقدين الأولين بعد الحرب، بل كان يوما يختلط فيه الفخر بالحزن الشخصي لملايين العائلات التي فقدت أحباءها، إلا أن التحول الجذري بدأ في عهد الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف عام 1963، الذي شرع في تقديس النصر لتقوية الأيديولوجيا الوطنية، محولا اليوم إلى عطلة قومية تتسم بالاستعراضات العسكرية الضخمة.

ومع وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة، تعزز هذا التوجه بشكل أكبر، حيث جرى دمج دور روسيا في هزيمة النازية ضمن الهوية الوطنية، وصولا إلى تعديلات دستورية في عام 2020 تمنع التشكيك في الرواية الرسمية للتاريخ.

الفوج الخالد
إحدى أبرز ملامح الاحتفال في السنوات الأخيرة هي مبادرة "الفوج الخالد"، التي بدأت كفكرة مدنية عفوية يسير فيها الناس حاملين صور أقاربهم القتلى في الحرب، إلا أن الدولة الروسية سرعان ما استوعبت هذه الحركة وحولتها إلى نشاط ترعاه الحكومة والمدارس ووسائل الإعلام الرسمية، لضمان بقاء خطاب "العسكرة" تحت سيطرة السلطة.

أوكرانيا.. الظل الثقيل على احتفالات العام
وفقا لبي بي سي، يرى مراقبون أن خطاب "نزع النازية" الذي استخدمته موسكو لتبرير غزوها لأوكرانيا، ليس إلا محاولة لاستدعاء روح الحرب الوطنية العظمى.
وفي وقت تعاني فيه الحملة العسكرية من تحديات ميدانية، يسعى الكرملين لاستغلال رمزية 9 مايو للإعلان عن مكاسب ملموسة، محاولا إقناع الرأي العام بأن "العملية الخاصة" هي استمرار لمعركة روسيا التاريخية ضد الفاشية.
ورغم أن المؤرخين يشيرون إلى أن الرواية الرسمية غالبا ما تتجاهل الثمن البشري الهائل الذي دفعه الاتحاد السوفيتي، إلا أن شعارات مثل "يمكننا فعل ذلك مرة أخرى" باتت تطغى على المشهد، مما يعكس تحول العيد من ذكرى لإنهاء الحروب إلى وسيلة لحشد الجماهير نحو صراعات جديدة.

بوتين في عيد النصر: حماية الوطن وتضحيات الحرب أساس الهوية الروسية
في هذا السياق، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في كلمته بمناسبة عيد النصر على النازية، على تقديس الشعب الروسي لتراث ووصايا جنود الحرب الوطنية العظمى، معتبرًا أنها تشكل جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية والذاكرة التاريخية لروسيا.
وخلال خطابه، هنأ بوتين العسكريين وجميع المواطنين الروس بهذه المناسبة، واصفًا يوم النصر بأنه “عيد مقدس” لروسيا، مشددًا على أن حماية الوطن تمثل عامل توحيد لكل أبناء الشعب الروسي.
وأشار الرئيس الروسي إلى أن الحفاظ على ذكرى الحرب الوطنية العظمى يعد شرفًا وواجبًا تاريخيًا، مؤكدًا أن شعب الاتحاد السوفيتي السابق أنقذ العالم من خطر النازية خلال الحرب العالمية الثانية.
وأضاف أن الجنود الروس قدموا تضحيات كبيرة من أجل حرية وكرامة شعوب أوروبا، لافتًا إلى أن بداية الحرب الوطنية العظمى تعد من أكثر الفترات حزنًا في التاريخ الروسي.

واتهم بوتين القوات النازية بأنها شنت هجومًا غادرًا على الاتحاد السوفيتي بهدف إبادة واستعباد شعبه متعدد القوميات، مشيرًا إلى أنها لم تدرك الروح الروسية التي ساهمت في الصمود والانتصار.
وأكد أن الإخلاص للوطن يمثل قيمة عليا قادرة على توحيد ملايين المواطنين، معتبرًا أن بطولات جيل النصر ما زالت مصدر إلهام حتى اليوم، بما في ذلك المشاركين في العمليات العسكرية الروسية الحالية.

عيد النصر.. عرض عسكري ضخم في الساحة الحمراء بموسكو
وفي السياق نفسه، انطلق العرض العسكري في الساحة الحمراء بموسكو بمناسبة الذكرى الـ81 للنصر على ألمانيا النازية وحلفائها، حيث استعرضت القوات المشاركة راية النصر إلى جانب العلم الروسي.

وشهدت المراسم حضور وزير الدفاع الروسي أندريه بيلاوسوف الذي تفقد القوات المشاركة، قبل أن يعلن جاهزيتها الرسمية لبدء العرض العسكري، ثم قدم تقريره إلى الرئيس بوتين خلال الاحتفال.

مشاركة قادة وضيوف دوليين في احتفالات عيد النصر
كما توجه بيلاوسوف إلى المنصة الرئيسية التي حضرها بوتين وعدد من قادة الدول والضيوف والدبلوماسيين وقدامى المحاربين، قبل أن يعلن رسميًا انطلاق العرض العسكري، وسط عزف النشيد الوطني الروسي.



