هل الحج واجب على الفور أم على التراخي؟.. دار الإفتاء توضح
هل الحج واجب على الفور أم على التراخي؟ سؤال أجابته دار الإفتاء بالإشارة إلى إجماع الفقهاء على أن المستطيع إذا أجل الحج حتى أداه في آخر عمره، سقط عنه الإثم ؛ لقول العلامة الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق": ولو حَجَّ في آخِرِ عمره ليس عليه الإثم بالإجماع، ولو مات ولم يحج أثِمَ بالإجماع.
وأجمعوا كذلك أنه وإن أخره سنين ثم حج يكون مؤديا لا قاضيا؛ قال العلامة أبو بكر علاء الدين السمرقندي في "تحفة الفقهاء": لا خلاف أنه إذا أخَّرَ ثم أدى في سنة أخرى، فإنه يكون مؤديا ولا يكون قاضيا؛ بخلاف العبادات المؤقتة إذا فاتت عن أوقاتها ثم أُديت يكون قضاء بالإجماع.
وأضافت دار الإفتاء، في فتوى سابقة، قد اتفق الفقهاء على أنَّ المستطيع إذا مات قبل أن يحج مع تمكنه ولم يُوص بالحج عنه يكون آثمًا؛ قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع": مَنْ عليه الحج إذا مات قبل أدائه فلا يخلو إما إن مات من غير وصية، وإما إن مات عن وصية؛ فإن مات من غير وصية يأثم بلا خلاف.
الحج واجب على الفور أم على التراخي
وأوضحت أنه قد اختلف الفقهاء: هل وجوب الحج يكون على الفور - أي فور استطاعة الحج مع القدرة عليه أو على التراخي؟
وذهب الإمام أبو حنيفة في أصح الروايتين عنه، وأبو يوسف، والراجح عند المالكية، ومذهب الحنابلة: إلى أن الحج يجب على الفور، وأن التأخير فيه إثم على المستطيع حتى يحج، فإذا حج يكون مؤديا للفريضة لا قاضيًا، ويسقط عنه الإثم؛ لأنها فريضة وقتها العمر، فإذا أُديت في أي وقت منه كانت أداء.
وقال العلامة ابن مَازَةَ البخاري الحنفي في "المحيط البرهاني في الفقه النعماني": [ذكر الحسن الكرخي رحمه الله أنه يجب على الفور ولا يجوز التأخير عن أوَّل أوقات الإمكان، وهذا قول أبي يوسف روى عنه بشر والمعلى، قال شيخ الإسلام رحمه الله : وهو قول أبي حنيفة رحمه الله في أصح الروايتين.
وذهب الشافعية، ومحمد بن الحسن من الحنفية: إلى أن الحج يجب على التراخي، قال الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب، مع تكملة السبكي والمطيعي": مذهبنا أنه على التراخي وبه قال الأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن، ونقله الماوردي عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس رضي الله تعالى عنهم.
وأضاف دار الإفتاء: واحتجوا لذلك بتأخير رسول الله، صلى الله عليه وعلى وسلم، للحج من غير عذر، فيما روي أن فرضية الحج نزلت في سنة ثلاث من الهجرة، وأنَّ فتح مكة كان في السنة الثامنة، ومع ذلك فرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يحُجَّ إِلَّا في السَّنَة العاشرة، وما كان به عُذر.
واستدلُّوا كذلك بأنَّ الحَجَّ فرض مطلقًا عن الوقت، ثم بين وقته فصار المفروض هو الحَجَّ في أشهر الحج في أي وقت من العمر، ولأنه وظيفة العمر؛ فكان العمر فيه كالوقت في الصلاة، وأنَّ القول بالفور تقييد للمطلق، وتقييد المطلق لا يجوز إلا بدليل، وأنَّ القول بالفورية يستلزم أن يكون المستطيعُ الذي يؤخِّرُ الحج سنين ثم يحج قاضيًا لا مؤديا، وهو ما انعقد الإجماع على خلافه.

