رحل عنا الأخ والصديق الطيب الفنان هاني شاكر، صاحب القلب الحنون والأخلاق العالية والأدب الجم الذي رأيته بنفسي كثيرون. وسط حالة الحزن والأسف لفت انتباهي تلك الموجة القاسية الجاهلية التي ظهرت على بعض منصات التواصل الاجتماعي، فبعضهم ظهر لا ليدعو بالرحمة للمتوفي وطلب المغفرة له ولنفسه إذا صار الي ما صار إليه ... ولكنه ظهر ليتسابق مع أقرانه في التجريح والشماتة المقاربة للفرح بموت رجل من أهل القبلة، هذا فقط لأنه كان يغني ..!! "كذلك زعموا".!!
وهنا يبرز السؤال الذي غفل أول تغافل عنه كثير من أتباع تلك المدرسة الدعوية الجامدة والجاهلة القاسية التي تحفظ دون أن تفهم نصوص القران والسنة و ولا تثمن تلك الأراء الفقهية المغامرة والمنبثقة من تلك النصوص الشرعية تفسيرا واجتهادا من سادتنا الفقهاء فاندفعوا إلى تلك القسوة والجاهلية والسؤال هو:
هل المعازف والغناء محرم قولا واحدًا كما يتصور البعض .. أم أن فيه خلاف معتبر مشهور؟
الحقيقة أن المسألة من المسائل التي تكلم فيها اهل العلم كلاما واسعا وفرقوا فيها بين مفهوم المعازف ومفهوم الغناء وكانت وما زالت تلك المسالة من المسائل التي وقع فيها الخلاف المستساغ والمقبول عند كبار الفقهاء بين أهل العلم قديمًا وحديثًا، وليست من القضايا التي انعقد فيها الإجماع كما يتوهم البعض. فمن العلماء من شدد في أمر المعازف والغناء، ومنهم من أجاز بعض أنواعه بضوابط وآداب، خاصة إذا خلا من الفحش وإثارة الشهوات وإضاعة الفرائض والأوقات.
وكما نقلت أقوال بالتحريم قد نقلت أيضا الأقوال بالإباحة و الجواز عن جماعة من أهل العلم الكبار الذي لا يقدح في علمهم ولا فهمهم الا جاهل والذين اذا ما رايت احدهم يتهمهم بانهم قد ذلوا واخطؤا في مسألة فقهية ما فقط لأنها لا تعجبه .. فتاكد انه لا يعلم شيء عن علم الفقه ولو حاز أعلى الشهادات والمراتب، ومن أمثلة هؤلاء الفقهاء القائلين بالاباحة الإمام ابن حزم الظاهري، والإمام الغزالي في بعض تفصيلاته، كما توسع عدد من المعاصرين في القول بالجواز المنضبط، مستدلين بأحاديث إقرار النبي ﷺ لبعض صور الغناء والدف في المناسبات والأعياد واعمال ادوات الاستدلال كالقياس المنضبط. ولذلك قال العلماء القاعدة المشهورة: “لا يُنكر المختلف فيه، وإنما يُنكر المتفق عليه” وقد اورد الامام الشوكاني في نيل الاوتار ادلة كلا الفريقين بشكل دقيق تتجلى فيه عظمة الفقه الإسلامي وتنوعه.
فحين تسمع أن في المسألة رأيين معتبرين بين أهل العلم، فليس من حق أحد أن يجعل رأيه وحده هو الدين الذي يُدان الله به، ثم يبني على ذلك أحكامًا قاسية على عباد الله.
ثم إنني هنا لا أتحدث عن رجل عرفته من بعيد، بل عرفته عن قرب صديقًا وإنسانًا. عرفت فيه الأدب والاحترام والرقي، وعرفته محبًا للدين، حيث كانت تُعقد في بيته دروس علم كثيرة. وكان شديد البشاشة والفكاهة على الرغم من الحزن الشديد الذي كان يخفيه في طياته .
وعرفته صاحب مواقف محترمة، خاصة في مواجهة موجات الإسفاف والانحدار الفني، وكان موقفه واضحًا حين تولى نقابة الموسيقيين، وقد دعمته وساندته في ذلك غير مرة اعلاميا ودعويا قدر استطاعتي لأنه كان يرى أن للفن رسالة وأخلاقًا، لا مجرد ضجيج وانتشار وإسفاف.
وهنا أشير أنه لا يوجد عاقل يتصور أننا حين نتكلم عن الخلاف الفقهي في في المعازف والغناء فإننا نتحدث عن إباحة كل لون من ألوان الانفلات أو الكلمات الخارجة أو المشاهد المحرمة، فهذا لا يقول به صاحب دين أو خلق. إنما الكلام عن الفن المنضبط الذي لا يخالف شرعا ولا يلهي عن عمل ولا يدمر جيلا.
ثم بالله عليكم … يا من تزعمون انكم تكرهون المذنب لذنوبه "ان كان مذنبا" هل منكم من يجيب عما يلي:
هل منا من لم يذنب قط؟
هل تعلم كيف خُتم لهذا الرجل؟
هل تعلم كم صدقة تصدق بها؟
هل تعلم كم ختمة للقرآن ختمها؟
هل تعلم كم ليلة قدر شهدها؟
هل تعلم أجر الصبر علي فقد أحد الابناء؟
هل تعلم ماذا كان بينه وبين الله في حياته وحتى مماته؟
أما قرأ هؤلاء الموتورون ممن يدعون التدين قول النبي ﷺ:
“ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذىً ولا غمٍّ حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه”؟
اهدي لكل شامت حاقد عدو لوطنه ولدينه ممن خرج علينا ليتباهى أمام الناس كأنه حارسا للشريعة وعلى حرمات الله زورا وبهتانا ٱية وحديثا ..
قولَه الله تعالى:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾
وقول رسول الله ﷺ:
"أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألّى عليَّ ألا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت له وأحبطت عملك»
نحن كمسلمين أمرنا ديننا ألا نخوض في عباد الله بغير علم فكم من عبدٍ يراه الناس مذنبًا، وهو عند الله أقرب منا جميعًا .. والعكس قد يكون أيضا.
رحم الله الصديق المحترم الفنان هاني شاكر رحمة واسعة، وغفر له، وتجاوز عنه، وجعل ما أصابه في دنياه رفعة له في أخراه، وألهم أهله ومحبيه وأصحابه الصبر والسلوان.