48 مليار جنيه سنويًا.. فاتورة العمل عن بُعد تتحول إلى وفر اقتصادي ضخم |حوار
تواصل الحكومة تطبيق قرار العمل عن بعد يوم الأحد من كل أسبوع ضمن إجراءات ترشيد الكهرباء في ظل تسارع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية عالميًا، واشتداد الضغوط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، أجرينا هذا الحوار مع الدكتور عز الدين حسانين، الخبير الاقتصادي، للوقوف على الأبعاد الحقيقية للعمل عن بعد بالتزامن مع دعوة أحمد صبري، الكاتب الصحفي ورئيس تحرير موقع «نيوز رووم»، إلى التوسع في تطبيق نظام العمل عن بعد (أون لاين) ليشمل يومين أسبوعيًا بدلًا من يوم واحد.
حدثني في البداية عن الأثر الاقتصادي والمالي لتطبيق نظام العمل عن بُعد في مصر؟
هذا القرار لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد إجراء إداري أو حل مؤقت مرتبط بظروف تشغيلية، بل هو في حقيقته خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة هيكلة نمط الإنفاق العام في الدولة، ونحن أمام تحول تدريجي في فلسفة إدارة الجهاز الإداري للدولة، حيث لم يعد التواجد الفيزيائي داخل المقرات الحكومية هو العنصر الحاكم في الإنتاجية، بل أصبحت الكفاءة الرقمية وإمكانية إنجاز العمل عن بعد هي المعيار الأساسي.
وما يجري الآن هو انتقال من نموذج الدولة كثيفة التشغيل إلى نموذج الدولة الرشيقة رقميًا، وهو نموذج يعتمد على تقليل التكاليف التشغيلية غير الضرورية، وإعادة توجيه الموارد إلى القطاعات الإنتاجية والتنموية، وفي ظل التحديات العالمية الحالية، خصوصًا ما يتعلق بارتفاع أسعار الطاقة وتذبذب سلاسل الإمداد، فإن هذا القرار يمثل أداة ضمن أدوات الأمن الاقتصادي للدولة المصرية، وليس مجرد استجابة ظرفية.
ما هو حجم الوفر المباشر المتوقع من تطبيق يوم عمل عن بُعد أسبوعيًا؟
عند تحليل الأثر المالي بدقة، نجد أن تطبيق يوم واحد أسبوعيًا من العمل عن بُعد لنحو 5 ملايين موظف حكومي يخلق وفورات تراكمية متعددة المستويات، يمكن تفصيلها بشكل منهجي أولًا وفر استهلاك الكهرباء في المباني الحكومية حيث الدولة تمتلك شبكة ضخمة من المباني الإدارية، تشمل الحي الحكومي بالعاصمة الإدارية، بالإضافة إلى نحو 83 ألف مبنى إداري على مستوى الجمهورية، وهي مبانٍ عالية الاستهلاك للطاقة.
في هذا السياق يمكن القول أن المباني المركزية في العاصمة الإدارية، نظرًا لاعتمادها على أنظمة تكييف وإنارة وتشغيل متكاملة، تحقق وفرًا شهريًا يُقدّر بين 150 إلى 200 مليون جنيه عند تقليل التشغيل يومًا أسبوعيًا، أما باقي المباني الحكومية في المحافظات، والتي غالبًا ما تكون أقل كفاءة في استهلاك الطاقة، فإن الوفر يتراوح بين 100 إلى 150 مليون جنيه شهريًا، وبذلك فإن إجمالي الوفر في بند الكهرباء فقط يصل إلى حوالي 350 مليون جنيه شهريًا.

ثانيا وفر أسطول السيارات الحكومية والوقود، حيث تمتلك الدولة المصرية أسطولًا ضخمًا من المركبات الحكومية يُقدّر بنحو 45 ألف سيارة ومع تطبيق يوم عمل عن بعد، فإن حركة الانتقال اليومي للموظفين تقل بشكل ملحوظ، مما يؤدي إلي خفض استهلاك الوقود بنسبة تقارب 30% وفقًا للتقديرات التشغيلية، وتقليل مصروفات الصيانة الدورية والاستهلاك اليومي للمركبات وعليه فإن الوفر الشهري في هذا البند يُقدّر بحوالي 200 مليون جنيه شهريًا.
كيف يؤثر العمل عن بعد على فاتورة الطاقة المستوردة؟
وهذا هو البند الأكثر حساسية من الناحية الاقتصادية وفق البيانات، فقد ارتفعت فاتورة استيراد الطاقة لتصل إلى نحو 2.5 مليار دولار شهريًا في مارس 2026، وهو رقم ضخم يضغط بشكل مباشر على ميزان المدفوعات، وعند تقليل الأحمال الكهربائية في يوم واحد أسبوعيًا، خصوصًا في ساعات الذروة الصباحية، فإن ذلك يؤدي إلى انخفاض في استهلاك الغاز الطبيعي والمازوت اللازمين لتشغيل محطات الكهرباء.
وبالتالي فإن التقدير الاقتصادي يشير إلى أن هذا الإجراء يمكن أن يحقق وفرًا في حدود من 2.5 إلى 3 مليار جنيه شهريًا عند حسابه بالقيمة المحلية للعملة الصعبة، وهناك أيضا وفرة في المصروفات التشغيلية والإدارية اليومية التي تشمل هذه البنود مجموعة واسعة من النفقات، مثل المياه داخل المباني الحكومية وخدمات النظافة والصيانة والأدوات المكتبية، وعقود الضيافة والخدمات اللوجستية، استهلاك الإنترنت والخدمات الداخلية وهنا تشير التقديرات إلى أن الوفر في هذا البند يصل إلى نحو 400 مليون جنيه شهريًا.
ما هو إجمالي الوفر الحكومي من هذا التطبيق؟
بجمع كل البنود السابقة، يصبح إجمالي الوفر الشهري التقريبي حوالي 4 مليار جنيه شهريًا للجهاز الحكومي فقط، دون احتساب البنوك أو القطاعات الأخرى.
وماذا عن القطاع المصرفي؟ إلى أي مدى يمكن أن يستفيد من تطبيق العمل عن بعد؟
القطاع المصرفي يُعد من أكثر القطاعات كثافة في استهلاك الطاقة والتشغيل، نظرًا لاعتماده على فروع متعددة وأنظمة تشغيل مستمرة لا تتوقف والهيكل العام للقطاع المصرفي في مصر يشمل نحو 148.4 ألف موظف وحوالي 4754 فرعًا مصرفيًا، و36 بنكًا عاملاً في السوق المصرية، وفي حالة تطبيق يوم عمل عن بعد على الإدارات المركزية والوظائف الإدارية غير المرتبطة مباشرة بخدمة العملاء، يمكن تحقيق وفورات ملموسة.
هل هناك المكاسب غير المالية أو الاستراتيجية للعمل عن بعد؟
بعيدًا عن الأرقام المباشرة، هناك مجموعة من المكاسب الاستراتيجية المهمة، من أبرزها تقليل حركة ملايين الموظفين في يوم واحد أسبوعيًا يخفف الضغط على الطرق، ويقلل استهلاك الوقود والانبعاثات، والإجبار غير المباشر على العمل الرقمي يدفع المؤسسات لتطوير بنيتها التكنولوجية، وتقليل الاعتماد على الورق والإجراءات التقليدية، وإتاحة مرونة أكبر في العمل تساهم في تحسين التوازن بين الحياة والعمل، وهو ما ينعكس على الإنتاجية واستثناء القطاعات الحيوية مثل المستشفيات، المدارس، الجامعات، ومحطات المياه والصرف، بما يضمن عدم تأثر الخدمات الأساسية للمواطنين.
كيف يمكن التقييم الكلي لتطبيق العمل عن بعد على الموازنة العامة؟
الأثر الحقيقي لهذا القرار لا يتوقف عند حدود ما يتم توفيره في الفواتير الشهرية للجنيه المصري، بل يمتد إلى تقليل الاعتماد على العملة الصعبة في تمويل واردات الطاقة.
وعندما نتحدث عن وفورات تقارب 48 مليار جنيه سنويًا، فنحن أمام ما يعادل تقريبًا نحو 980 مليون دولار سنويًا وفق تقديرات سعر الصرف في الموازنة، وهذا الرقم ليس هامشيًا، بل يمكن توجيهه إلى تقليل عجز الموازنة، ودعم برامج الحماية الاجتماعية، وتمويل مشروعات صحية وتعليمية، أو تقليل الضغط على الاقتراض الخارجي
وفي تقديري، فإن يوم الأحد الرقمي يمثل بداية نموذج اقتصادي جديد، يقوم على تحويل الدولة من نموذج كثيف التكلفة إلى نموذج يعتمد على الكفاءة الرقمية، حيث يصبح الفكر والإنتاجية هما المحرك الأساسي، بدلًا من التواجد المادي.