من أزمة متراكمة لتسوية شبه كاملة.. ماذا يعني تراجع مستحقات البترول؟ |خاص
كشفت وزارة البترول والثروة المعدنية عن تراجع حاد في مستحقات شركات البترول الأجنبية العاملة في مجال البحث والتنقيب داخل مصر، حيث انخفضت إلى نحو 720 مليون دولار فقط، مقارنة بما كانت تسجله في يونيو 2024 والبالغ قرابة 6 مليارات دولار، في تطور يعكس تغيرًا مهمًا في إدارة ملف الالتزامات المالية للقطاع خلال الفترة الأخيرة.
وأثار هذا التراجع الكبير تساؤلات في الأوساط الاقتصادية حول الآليات التي اعتمدت عليها الدولة في سداد هذه المستحقات خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، في ظل الضغوط التي كانت تواجهها الموازنة العامة واحتياجات الدولة من النقد الأجنبي.
في البداية أكد النائب إبراهيم نظير، عضو لجنة الطاقة بمجلس النواب، أن الدولة المصرية تمضي في مسار واضح لسداد التزاماتها المالية المستحقة لشركات البحث والتنقيب العاملة في قطاع البترول والغاز، وهو ما ينعكس بشكل إيجابي على استقرار قطاع الطاقة وزيادة قدرته الإنتاجية خلال الفترة المقبلة.
وأوضح نظير، في تصريحات خاصة، أن هذه الالتزامات التي كانت قائمة وتراكمت خلال فترات سابقة، تم التعامل معها بشكل جاد من خلال تنسيق مكثف بين وزارة المالية ووزارة التخطيط والمجموعة الاقتصادية، ما ساهم في خفض حجم المتأخرات بشكل كبير، حتى وصلت إلى 720 مليون دولار مقارنة بما كانت عليه في السابق وهو 6 مليارات دولار، في إشارة إلى تحسن واضح في ملف سداد المستحقات.
دعم قطاع البترول والغاز
وأضاف أن انتظام الدولة في سداد هذه المستحقات يمثل مؤشرًا إيجابيًا مهمًا على التزام الحكومة بدعم قطاع البترول والغاز، وتعزيز ثقة الشركات الأجنبية العاملة في مجال البحث والاستكشاف، بما يساهم في زيادة حجم الاستثمارات وتوسيع نطاق عمليات التنقيب في البحرين الأحمر والمتوسط.
وأشار عضو لجنة الطاقة إلى أن هذا المسار من شأنه أن ينعكس إيجابيًا على المدى المتوسط والطويل، حيث يؤدي إلى رفع كفاءة الإنتاج وزيادة معدلات الاكتشافات الجديدة، وهو ما يساهم في تعزيز قدرات الدولة في تأمين احتياجاتها من الطاقة وتقليل فاتورة الاستيراد.
وشدد "نظير" على أن سداد المستحقات في مواعيدها وعدم تراكمها من جديد يبعث برسالة طمأنة قوية للشركات العالمية العاملة في مصر، ويشجع على ضخ استثمارات جديدة في قطاع الطاقة، وهو ما يدعم خطط الدولة للتحول إلى مركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة.
ولفت إلى أن الأثر النهائي لهذه السياسات سيكون إيجابيًا على أسعار الطاقة والخامات والوقود على المدى الطويل، نتيجة زيادة المعروض المحلي وتحسن كفاءة الإنتاج، مشددًا على أن استمرار هذا النهج يعزز استقرار سوق الطاقة ويخدم الاقتصاد الوطني بشكل مباشر.
من جانبه أكد مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، أن مستحقات شركات النفط الأجنبية لدى الهيئة العامة للبترول تراكمت خلال السنوات الأخيرة لتصل إلى نحو 6 مليارات دولار، مشيرًا إلى أن هذه التراكمات بدأت في الظهور بشكل واضح في عام 2022.
تأثير مباشر على وتيرة الاستثمار في قطاع البحث والتنقيب عن النفط والغاز
وأوضح يوسف، في تصريحات خاصة، أن هذه المتأخرات لم تكن مجرد أرقام مالية بل كان لها تأثير مباشر على وتيرة الاستثمار في قطاع البحث والتنقيب عن النفط والغاز، حيث أدى تأخر سداد المستحقات إلى قيام عدد من الشركات الأجنبية بتقليص أو وقف جزء من استثماراتها الموجهة إلى تنمية الحقول، الأمر الذي انعكس بدوره على مستويات الإنتاج.
وأضاف أن الفترة ما بين 2021 و2022 شهدت حالة من التباطؤ في ضخ الاستثمارات الجديدة من جانب الشركات العاملة في مصر نتيجة تراكم المستحقات المالية وهو ما شكل ضغطًا على خطط زيادة الإنتاج المحلي من البترول والغاز، في وقت كانت فيه الدولة في حاجة ماسة إلى رفع معدلات الإنتاج لتلبية الطلب المتزايد.
وأشار نائب رئيس هيئة البترول الأسبق إلى أن طبيعة عمل الشركات الأجنبية في مصر تقوم على الاستثمار في عمليات البحث والتنقيب وتطوير الحقول النفطية، مقابل حصولها على حصتها من الإنتاج، إلا أن ارتفاع تكاليف التطوير وبيع الحصص المستحقة بالدولار للهيئة العامة للبترول يؤدي إلى نشوء التزامات مالية متراكمة لصالح تلك الشركات لدى الحكومة.
وأكد أن الوضع الحالي شهد تحسنًا تدريجيًا بعد وضع وزارة البترول خطة لسداد هذه المتأخرات بشكل منتظم، وهو ما يمثل خطوة مهمة في إعادة بناء الثقة مع الشركاء الأجانب، وتهيئة مناخ أكثر جذبًا للاستثمارات الجديدة في قطاع الطاقة، مشددًا أن استمرار الدولة في سداد المستحقات المتأخرة في إطار زمني واضح ومنظم من شأنه أن يسهم في استعادة ثقة الشركات العالمية، ويحفزها على التوسع في أعمال البحث والاستكشاف داخل مصر، بما ينعكس إيجابًا على زيادة إنتاج الغاز الطبيعي.
ولفت إلى أن رفع كميات الإنتاج من الغاز والبترول يعد عنصرًا أساسيًا في تأمين احتياجات محطات الكهرباء، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، مشيرًا إلى أن زيادة الإنتاج المحلي من شأنها أن تسهم في تعزيز استقرار قطاع الطاقة، والحد من أي ضغوط قد تؤدي إلى العودة لسيناريو تخفيف الأحمال كما حدث في فترات سابقة.