عاجل

 

في جزئه الثاني، يعيد فيلم The Devil Wears Prada طرح سؤال يعكس حالة عالم ما بعد طغيان لغة التسويق في العولمة، ماذا نختار؟ الحقيقة أم السردية ؟
يأخذنا مجدداً إلى عالم بريق الصحافة والموضة، حيث لا يكفي أن تمتلك الموهبة، بل يجب أن تتماشى مع مقاييس السوق، تتحول الكلمة إلى منتج، والصورة إلى سلطة قد يتم الاتجار بها في سوق مفتوح للمزايدة.

دعاني أبنائي  الشباب إلى مشاهدة الفيلم في يوم عرضه الأول في إحدى سينمات القاهرة، فوجدت نفسي داخل صالة امتلأت بشباب من “جيل زد”، جيل لم يعاصر الجزء الأول عام 2006، لكنه يحفظه. هنا تذكرت  ما قاله الزميل علاء الغطريفي عن فيلم مايكل جاكسون كيف جعلت المنصات الرقمية الأعمال تعبر الزمن، لتبقى الحكايات حية، وما ذكره خبيرنا في الديموغرافيا  أكرم الألفي  من كوننا أمام “طفرة شبابية” حقيقية تشكل جزءاً كبيراً من المجتمع بنسبة تبلغ 37% من سكان مصر بخلاف جيل الفا الأصغر سناً .

منذ بدء تصويره في شوارع مانهاتن، أثار الفيلم عاصفة من المتابعة، كأحد الأعمال الأيقونية في عالم الموضة والإعلام. أخرجه ديفيد فرانكل، وقاد بطولته  نجوم الجزء الأول ميريل ستريب وآن هاثاواي وإيميلي بلنت، في عالم لامع يخفي خلف بريقه تكلفة باهظة.
يبدأ الجزء الثاني بعودة آندي إلى دائرة الضوء، حيث صراع البقاء للأقوى والأذكى. يكشف الفيلم عالم الموضة بعيداً عن سحره، حيث تتحول القطعة إلى حلم فقط لأنها تحمل “لوجو”، وحيث يمكن لحقيبة بسيطة أن تقفز قيمتها آلاف الدولارات  رغم ان تكلفتها لا تتجاوز 100 دولار  بمجرد تغليفها بفكرة وتسويق واسم براند. 
عالم تُدفع أثمانه من وقتنا وعمرنا لهثاً خلف اثبات التحقق بحمل قطعة تحمل ختم لوجو الماركات الشهيرة، سباق  لا يتوقف من عالم المال والأعمال في نيويورك إلى عواصم الموضة في روما و باريس ليتحول الي حلم لكل شخص حول العالم.

طبيعي أن ما لفتني أكثر  في الفيلم لم يكن الأزياء، التي لم تروقني تصميماتها الغريبة ، بل “الصحافة” بحكم التخصص والشغف ، هذا العالم الذي يعيد الفيلم طرحه كحالة مهددة، كأننا نسأل: هل رفعت الأقلام وجفت الصحف؟
ذكّرني ببريق المهنة، بهذه المساحة التي تضعك في قلب الحدث، لا مجرد ناقل له. بالكلمة التي تصنع زاوية الرؤية، وتمنح الواقع معناه. الكلمة الأولى التي تنطلق كرصاصة لا تعود.
أعادني إلى متعة الكتابة نفسها؛ إلى الورق ورائحة الحبر  اقسام تكاد تندثر ،  الحروف في قسم الجمع لتكوين ضفيرة صاغها صحفي علي ورق دشت لتكون قصة مترابطة، إلى ذلك الشغف بالوصول إلى المصدر المستحيل، إلى لحظة نشر زاوية مختلفة تعرف كم كلفت من تعب، ولا يراها الا زملاء مهنة البحث عن المتاعب .

في الجزء الأول، الذي تجاوزت إيراداته 326 مليون دولار بأسعار 2006، كانت النهاية هروباً من زيف هذا العالم. أما هنا، فيبدو الفيلم أكثر تصالحاً مع سطوة الواقع المادي التجاري ،  الاعتراف بان من يملك السردية  هو من يقول كش ملك ، يعترف بأن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن النجاح قد يمر عبر التنازل، أو على الأقل التكيف مع مصالح وعلاقات بالكبار والأكثر ثراء.

أما عن  التمثيل، بدت آن هاثاواي أقل حضوراً وتأثيراً،  بخلاف جملة " ان شاء الله " التي أثارت تفاعلاً  كبير قبيل العرض الأول للفيلم ، بينما يذهب الثقل الحقيقي لشخصية “نايجل” التي قدمها ستانلي توتشي،  رمانة الميزان الذي يقوم بأهم دور مساند للبطلة دون انتظار المقابل ، ذلك الصوت الهادئ الذي يمثل ضمير الحياة. أداء بسيط وعميق، بلا استعراض، لكنه يترك أثراً إنسانياً واضحاً.

أما ميريل ستريب، فتظل حالة استثنائية، حضورها يذكرني دائماً بسناء جميل، موهبة  متوهجة منذ اول ظهور تثقل  مع الزمن، قادرة على السيطرة دون جهد ظاهر، ذلك السهل الممتنع الذي لا يتكرر.

كعادة معظم الأجزاء الثانية، يظل للأول سحره الخاص، لكن هذا الجزء ينجح في شيء مختلف: طرح الأسئلة لا تقديم الإجابات.
وقد اتفقت مراجعات صحف مثل The New Yorker وVanity Fair وVulture وEntertainment Weekly على أن الفيلم يسير بين الحنين والواقع ، يستعيد عالمه الأيقوني، لكنه أقل حدة من السابق، ويميل أحياناً إلى كونه عرضاً للأزياء أكثر من كونه دراما متماسكة. ورغم ذلك، يبقى عملاً أنيقاً، ممتعاً، لكنه أخف وزناً من الفيلم الاول.

سعيدة بارتداء ميريل ستريب  طقماً بتصميم فرعوني مميز يشابه عقد  كليوباترا الشهير من انتاج كبري بيوت الأزياء ، عموما ًربما لا تكمن قيمة الفيلم فقط في عودته بجزء جديد، بل في ما يعكسه: عودة  السينما نفسها بانتاج ضخم وظهور لنجوم اختفوا منذ الكوفيد  بصورة تعيد الشغف بالأعمال الأصلية بعد سنوات من الارتباك.
او ربما تذكير بأن الإبداع لا يتغذي بنصوص أصلية تكتب لأول مرة وتُروى كأنها الأخيرة.

تم نسخ الرابط