الخطيب بالأوقاف والداعية الإسلامي
من سنن الله في الأرض أن جعل السلام الحقيقي لا يحرسه الضعف، وأن الأوطان لا تصان بمجرد الأماني، وإنما تحفظه القوة الرشيدة، والاستعداد الدائم، والقدرة التي تردع المعتدي وتطمئن الأخ والصديق.
لذلك جاء التوجيه القرآني الحكيم في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ فجعل الإعداد واجبًا، وجعل شرط تحقق القوة بالاستطاعة، ليكون ذلك منهجًا دائمًا لا عملاً عارضًا وقت الأزمات.
لذلك عبر القران عن الاستعداد بقوله تعالى رباط الخيل فهذه الخيل التي تكلم عنها القران ليست منطلقة حرة هائمة انما هي في رباط واستعداد وتحكم في يد قائدها تنتظر منه أمرا واحدا لتنطلق إلي أهدافها التي تدربت عليها طول الوقت
وقد بيّن الإمام الطاهر ابن عاشور رحمه الله أن هذه الآية أصل في وجوب إعداد الأمة لأسباب الدفاع والحماية، وأن كلمة القوة تشمل كل ما تتحقق به المنعة في كل عصر بحسب وسائله وأدواته، لتتعدى الى العلم بكافة انواعه من صناعة وزراعة وطب وغير ذلك من العلوم النافعة التي تجعل الامة قويه لا تحتاج الى غيرها.
فاذا ما تكلمنا عن القوة العسكرية مثلا فنجدها أيضا ليست مقصورة علي مجرد العتاد والعودة فحسب، بل تمتد إلى التنظيم، والتدريب، والخبرات، وحسن التدبير، وكل ما يجعل الأمة قادرة على صيانة أمنها ورد العدوان عنها. وهذا فهم واسع يربط النص القرآني بحركة الحياة وتطور الوسائل.
وها هو الإمام البغوي رحمه الله يذكر في تفسيره لهذه الآية الكريمة أن القوة تشمل أدوات الحرب وأسبابها، واستشهد بما ورد عن سيدنا رسول الله ﷺ حين قال: «ألا إن القوة الرمي»، أي أن من أعظم صور القوة في زمنه ﷺ إتقان مهارات القتال والاستعداد العسكري خاصة الرماة. والمعنى بالطبع باقٍ ويتطور مع كل زمان، فلكل عصر رميه، ولكل مرحلة أدواتها، من سلاح متطور، وتقنيات حديثة، وكفاءة بشرية عالية، ويقظة دائمة لا تغفل.
ومن أهم المعاني العظيمة التي ينبغي توضيحها أن الشرع لم يجعل أجر وثواب القتال دفاعا عن الأوطان مقصورًا على لحظة القتال فقط، بل جعل مجرد الإعداد والاستعداد لهذا عبادة يؤجر عليها أصحابها إذا صحت النية وكان المقصد حماية البلاد والعباد. فالجندي المرابط، والمتدرب، والساهر على حدود وطنه، والقائد الذي يخطط، والمؤسسة التي ترفع الجاهزية، كل أولئك داخلون في معنى الإعداد المأمور به، ينالون من الثواب بقدر ما يبذلون من جهد وإخلاص. لأن بقاء الجيش قويًا مستعدًا يمنع الحرب قبل وقوعها، ويحفظ الدماء قبل إراقتها.
ومن هنا نفهم أن السلام ليس شعارًا يرفعه العاجزون، ولا كلمات ترددها المنابر ثم تتبدد أمام أول اختبار، وإنما السلام الحقيقي هو الذي يقوم على قوة تحميه، وقدرة تصونه، وهيبة تمنع العبث به. فالضعيف قد يتكلم عن السلام، لكنه لا يملك ضمانه، أما القوي العاقل فهو الذي يستطيع أن يصنع سلامًا محترمًا؛ لأن خصومه يعلمون أن وراءه قدرة وجاهزية وعزيمة لاتنكسر بإذن الله.
ولعل من دواعي الفخر والإعزاز أن أذكر المثال الذي يحتذي به كمثال نموذجي لجودة الجاهزية القتالية في أي وقت وهو جيشنا المصري العظيم.
فالجيش المصري يعد جيشًا عريقًا يحمل تاريخًا طويلًا من الانتصارات و البطولات، فكان ومازال ويواصل العمل والتطوير والتدريب ورفع الكفاءة والجاهزية القتالية في مختلف الأسلحة والتخصصات، محافظًا على جاهزيته في عالم يموج بالتحديات والمتغيرات. وهذا الاستعداد الدائم ليس ميلًا إلى الحرب، بل هو حماية للسلام، وصيانة للوطن، ورسالة طمأنينة لشعب مصر وكافة أشقائه، ونذير حزم لكل من يفكر في المساس بأمن مصر وأشقائها.
إن الإسلام حين أمر بالإعداد أراد أمة قوية عادلة، تحب السلام ولكنها لا تُخدع، وتدعو إلى الاستقرار لكنها لا تُبتز، وتملك القدرة التي تجعل قرارها محترمًا. فالقوة حين تقترن بالحكمة رحمة، وحين تقترن بالعدل أمن، وحين تقترن بالإيمان تكون حصنًا للأوطان وسببًا لطمأنينة الشعوب.