عاجل

 

اكتشفت الولايات المتحدة أن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية يمكن أن يحقق ما لم تحققه الحرب، كما اكتشفت إيران أن مضيق هرمز يمنحها ما لم يحققه مشروعها النووي. لذلك، فإن مبادرة عباس عراقجي، وزير خارجية إيران، «المضيق مقابل الحصار» لم تأتِ بجديد. كما أن إيران لم تتنازل عن تحويل هرمز من ممر دولي تحكمه قوانين دولية، إلى قناة خاصة بما يخالف القانون القانون الدولي. أيضاً إبقاء محاور الأزمة عالقة والقفز إلى حل للأضرار الجانبية يدخل ضمن التلاعب الدبلوماسي.

الولايات المتحدة، المتمرسة في سياسات الحصار، ترى في حروب الاقتصاد بديلاً ناجعًا لحروب الصواريخ، وهي ليست مستعجلة على فتح المضيق، بخلاف بقية العالم. وتراهن على أن الضغط الاقتصادي قد يُضعف تماسك الأيديولوجيا الإيرانية. وهذا يعني أن أفق الحل يبدو في حالة انسداد شبه كامل.

حتى الآن، لم ينتصر حلف بنيامين نتنياهو–دونالد ترامب، ولم تُهزم إيران. لقد بلغت الحرب جولتها الأخيرة دون حسم، وخلّفت أزمة مستعصية لا تعالجها البندقية، ولا تُخفف من أوجاعها مُسكّنات الهدنة، ولا تضمن الجراحة الخلاص منها. إن أزمة مضيق هرمز هي صراع بين سلاح الجغرافيا وآلة الدمار.

المفاوضات لا تُنهي حربًا من هذا النوع؛ وحدها التنازلات المتبادلة يمكن أن تفعل ذلك. لكن حتى الآن، يتمسك كل طرف بأدوات ضغطه، انتظارًا لانكسار الآخر.

وإذا كانت الحرب توقفت بهدنة تتمدد دون حسم عسكري أو دبلوماسي، فالسؤال ليس متى تنتهي، ولا كيف تنتهي، بل: على ماذا تنتهي؟
السيناريوهات المطروحة جميعها صعبة التحقق. فإذا فشلت المفاوضات تمامًا كما هو الحال، تواجه الولايات المتحدة ثلاثة خيارات، أحلاها مُرّ:

الأول: العودة إلى الحرب عبر قصف جوي مكثف، وهو ما قد يدمّر مقدرات الشعب الإيراني، بينما يبقى النظام ممسكًا بورقة خنق مضيق هرمز، حتى بأساليب غير تقليدية، ما يزيد الأزمة تعقيدًا، وإن كان يسمح لترامب بإعلان النصر.

الثاني: الاستمرار في حصار الموانئ الإيرانية، بما يعني خنق الاقتصاد دون معالجة جذور الصراع، مع احتمال استمرار إغلاق مضيق هرمز، وبقاء النظام وتشدده. وقد أثبتت التجارب، مثل حصار العراق الذي استمر 12 عامًا، أن الحصار وحده لا يسقط الأنظمة.

الثالث: المغامرة بتدخل بري، وهو خيار مكلف بشريًا وعسكريًا، في وقت لا يبدو فيه ترامب مستعدًا لدفع هذا الثمن، فضلًا عن احتمال إطالة أمد الصراع وتوسيع نطاق الأزمة عالميًا.

كل ذلك يشير إلى أننا أمام أزمة ممتدة ومتصاعدة، وأن الحديث عن حل قريب، كما يردد ترامب، ليس واقعيًا. فالولايات المتحدة عالقة في شباك الجغرافيا، ولا سبيل أمامها سوى دفع ثمن لفك هذه الشباك. وإيران، بدورها، تعاني من اختناق اقتصادي وجغرافي، ولا مخرج لها إلا بثمن يُجنبها تكرار سيناريو العراق قبل عقدين.

كلا الطرفين يوظف إشكالية الشرعية كأداة ضغط. فما يمكن وصفه بـ«الحصار المزدوج» في مضيق هرمز يقع خارج الإطار التقليدي لقانون البحار: تدين الولايات المتحدة الإجراءات الإيرانية، بينما تفرض في المقابل حصارًا أحاديًا دون تفويض من مجلس الأمن. ورغم أن الطرفين ليسا منضوين في اتفاقية قانون البحار، فإنهما يظلان مُلزمين بالقواعد العرفية.

وهكذا تبقى الأزمة في منطقة رمادية تحكمها معادلات معقدة: لا حرب حاسمة، ولا سلام مستقر. المشكلة أن العالم لا يحتمل استمرار هذا الوضع طويلًا، كما أن الولايات المتحدة لا تضمن نتائج حاسمة في حال العودة إلى الحرب. وعلى الجانب الآخر، لن يُسقط الحصار النظام، بل سيدفع الشعب الثمن، جوعاً وفقرا . وإذا طال أمد الحصار، فمن المرجح أن يزداد تشدد النظام الإيراني وتتعزز قبضته.

في جميع الأحوال، سيظل العالم رهينة لمضيق ملغّم، لفترة قد لا تكون قصيرة.

تم نسخ الرابط