كيفية تقسيم الأضحية المنذورة.. دار الإفتاء تشرح بالتفصيل
الأضحية شعيرة من شعائر الدين، ومَعْلَمُ مِن معالمه الثابتة، قال الله تعالى : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، حسبما ذكرت دار الإفتاء، مضيفة عن السيدة عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا، وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللهِ بِمَكَانِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا أخرجه الأئمة: الترمذي واللفظ له- وابن ماجه والبيهقي في "السنن". وفي رواية: «وَأَنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وأكدت أن الأضحية سنة مؤكدة للموسر القادر عليها على المختار للفتوى، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، لافتة إلى أنها تصير واجبة بالنذر عند الجمهور، ويتأكد وجوبها به عند الحنفية، ومن ثُمَّ فيجب على الناذر الوفاء بها؛ إذ من المقرر شرعًا أنه يجب على المكلف الوفاء بندر الطاعة عند القدرة عليه؛ لقول الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.
كيفية تقسيم الأضحية المنذورة.. دار الإفتاء تشرح بالتفصيل
وأفادت أن من الأمور المستحبة في حق الأضحية المعهودة إذا لم تكن منذورة أن تقسم إلى ثلاثة أثلاث : بحيث يأكل المضحي ثلثها، ويهدي ثلثها لأقاربه وأصحابه، ويتصدق بثلثها للفقراء والمساكين؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
وبينت أن القول باستحباب تقسيم الأضحية المعهودة أثلاثا هو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية في أحد القولين وهو ما نص عليه الإمام البويطي، وصححه الإمام النووي في "تصحيح التنبيه"، والحنابلة، وأطلق المالكية القول في الاستحباب بأن يجمع المضحي في تقسيم الأضحية بين الأكل والصدقة والإعطاء بدون تقيد في ذلك بثلث أو بغيره.
تقسيم الأضحية المنذورة وأراء الفقهاء في ذلك
وأوضحت أن الأضحية إذا كانت منذورةً فيفرق بين حالتين: الحالة الأولى: إذا كان الناذر قد حدد في نذرها كيفية تقسيمها، ووجه التصرف فيها، كأن نذرها للفقراء والمساكين ونحو ذلك فإنه يتعين عليه صرفها إلى الجهة التي حددها، وبالكيفية التي قررها في نذره؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرئ مَا نَوَى» متفق عليه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والمقاصد والنيات أمر معتبر في التصرفات من العبادات والعادات، كما في "الموافقات" للإمام الشاطبي.
وفسرت دار الإفتاء الحالة الثانية: إذا لم يكن للناذر نية معينة في إخراج الأضحية المنذورة، وإنما كان قد نذرها نذرًا مُطلَقًا من غير تقيد بجهة معينة كالفقراء والمساكين أو تعليق على شرط حصول شيء أو عدم حصوله، وفي هذه الحالة تفصيل:
ذهب الحنفية إلى أن الأضحية المنذورة تأخذ أحكام النذر فيتصدق الناذر بجميعها للفقراء والمساكين، ولا يَحِلُّ له أن يأكل منها شيئًا، ولا أن يُطعم منها الأغنياء؛ لأن سبيل هذا الدم هو التصدق، وليس للمتصدق أن يأكل شيئًا من صدقته أو يُهدي منها، إلا أن يقصد الناذر بنذره الإخبار عن الأضحية الواجبة عليه ابتداءً بإيجاب الشرع قبل النذر، فإنه يجوز له أن حينئذ أن يأكل منها، وكذلك يجوز له أن يُهدي منها ويُطعم الأغنياء - إذ لا ويفعل بها ما يفعل بالأضحية غير المنذورة.
واستكملت: وإنما كان له ذلك كله لأنه قصد الإخبار عما هو ملزم به وجوبا بأصل الشرع - إذ الأضحية عندهم واجبة مع تحقق يسار المضحي كما بينا، لا الإنشاء بإلزام نفسه بأضحية غير الأضحية التي ألزمه بها الشرع وأوجبها عليه، فصار النذر حينئذ إظهارا لما هو واجب عليه بأصل الشرع ابتداءً، كمن نذر أن يصلي الصلاة المفروضة فإن نذره هذا إخبار عن وجوبها عليه بأصل الشرع لا إيجاب منه لها.
وأما المالكية فقد أجازوا للناذر الأكل من الأضحية المنذورة التي لم يُعيّنها الناذر للفقراء والمساكين، فإن عينها لهم فلا يجوز له الأكل منها.
وأما الشافعية فالمقرر في مذهبهم أن الأضحية تصير واجبة بالنذر والتعيين، فتخرج جميعها للفقراء والمساكين، ولا يجوز الأكل منها؛ حيث منعوا في الجملة أكل الإنسان من كل ما وجب عليه، وإن اختلفوا في بعض الحالات، إلا أنهم نصوا على عدم جواز أكل الناذر من نذر المجازاة، وهو ما علقه الناذر على حصول شيء أو عدم حصوله، كنحو تعليقه التزام الأضحية بشفاء مريض ونحوه.
أما إذا كان نذرًا مطلقًا لم يعلقه الناذر على حصول شيء أو عدم حصوله، فإما أن يكون المنذور به معينًا في الذمة - كتعيينه ذبيحة بعينها، أو مرسلًا من غير تعيين كما في مسألتنا حيث لم يعين جهتها، والأصح في الحالتين : عدم جواز الأكل، ومقابله : جواز الأكل.
أما الحنابلة فلهم في المسألة قولان:
الأول: عدم جواز الأكل من الأضحية المنذورة، بل تكون للفقراء والمساكين، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، قياسا على الهدي المنذور.
والثاني : أن الأضحية المنذورة يُسْلَكُ بها في التقسيم مَسْلَك الأضحية المعهودة من استحباب تقسيمها ثلاثة أثلاث؛ حيث إن المعهود في الأضحية هو ذبحها، والأكل منها، والنذر لا يغير من ماهية المنذور، وهو المعتمد في المذهب.



