أزمة تخصيب اليورانيوم.. ما مدى سرعة قدرة إيران على بناء قنبلة نووية؟
أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سعيه لاتفاق نووي "أفضل بكثير" من اتفاق 2015 تساؤلات جوهرية حول الجدوى التقنية لهذا المسار، خاصة بعد تمديده لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين لمنح فرصة لمحادثات إسلام أباد.
وفي قلب هذه المفاوضات، يبرز المطلب الأمريكي بوقف كامل للتخصيب كخط أحمر، في مقابل إصرار إيراني على حق الاستخدام المدني الذي يتطلب تخصيبا بنسبة تتراوح بين 3% و5% لتوليد الطاقة، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بنسبة الـ 90% المطلوبة لصناعة السلاح النووي، مما يضع العالم أمام معضلة تقنية وسياسية معقدة.

رحلة اليورانيوم من الكعكة الصفراء إلى غاز التخصيب
تبدأ حكاية هذا الصراع من معدن اليورانيوم الكثيف والمشع طبيعيا، والذي تحتكر خمس دول فقط (كازاخستان، كندا، ناميبيا، أستراليا، أوزبكستان) حوالي 90% من إنتاجه العالمي.
تمر معالجة هذا المعدن بسلسلة تحولات كيميائية دقيقة، تبدأ بسحق الخام وتشكيل مسحوق "الكعكة الصفراء" الذي يميل لونه للأخضر الداكن، ثم معالجته بغاز فلوريد الهيدروجين لإنتاج بلورات "الملح الأخضر" أو رباعي فلوريد اليورانيوم.
وتصل العملية لذروتها عند إنتاج بلورات بيضاء صلبة تعرف بـ "سداسي فلوريد اليورانيوم"، والتي بمجرد تسخينها تتحول إلى غاز يضخ في أجهزة الطرد المركزي، حيث يتم هناك فصل نظير "U-235" الأخف والأكثر إشعاعا عن نظير "U-238" الأثقل عبر أسطوانات تدور بسرعة جنونية تتجاوز ألف دورة في الثانية.

فلسفة التخصيب وسباق "وحدات العمل الفصلية"
تعتمد خطورة الموقف على حقيقة أن الجهد المبذول لتخصيب اليورانيوم، والذي يقاس بوحدات العمل الفصلية (SWU)، ليس مسارا خطيا، فالانتقال من اليورانيوم الطبيعي إلى نسبة 20% يعد المهمة الأصعب والأكثر استهلاكا للوقت، بينما تصبح القفزة من 60% إلى 90% سريعة للغاية.
ووفقا للوكالة الدولية للطاقة الذرية، تمتلك إيران حوالي 440 كيلوجراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو مخزون يكفي نظريا لبناء 10 أو 11 قنبلة ذرية في حال تكريره.
ويؤكد الخبراء، ومنهم البروفيسور تيد بوستول، أن إيران التي استغرقت خمس سنوات للوصول لنسبة 60%، لن تحتاج الآن إلا لأربعة أو خمسة أسابيع فقط للوصول إلى درجة نقاء الأسلحة، لأنها أنجزت بالفعل الجزء الأكبر من العمل التقني الشاق.

التحصين تحت الأرض
تتعاظم مخاوف واشنطن وتل أبيب من قدرة إيران على إخفاء منشآتها، إذ يمكن لسلسلة واحدة من أجهزة الطرد المركزي المتطورة مثل طراز "IR-6" أن تشغل مساحة لا تزيد عن 60 مترا مربعا، وهي مساحة تماثل شقة استوديو صغيرة، مما يجعل من السهل إخفاؤها في مختبرات سرية أو أنفاق محصنة.
كما أن الاعتماد على الطاقة الكهربائية لتشغيل هذه السلاسل لم يعد عائقا، حيث يمكن لمحركات هجينة بسيطة توفير الطاقة اللازمة لتشغيل عدة سلاسل تخصيب في وقت واحد.
هذا الوضع دفع المحللين للقول إن إيران وضعت نفسها في موقع يجعل أي مهاجم يدرك أنها قادرة على إتمام الخطوة الأخيرة وتصنيع معدن اليورانيوم وبناء السلاح داخل الأنفاق حتى بعد وقوع هجوم عسكري، خاصة وأن أسلحة اليورانيوم لا تحتاج إلى اختبارات تفجيرية قبل استخدامها.
الواقع الدولي وترسانات القوى الكبرى في 2026
بينما تضغط القوى العالمية عبر معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لمنع طهران من حيازة السلاح، تشير البيانات إلى أن دول العالم تمتلك بالفعل حوالي 12,187 رأسا نوويا مع مطلع عام 2026، حيث تستأثر روسيا والولايات المتحدة بنصيب الأسد منها.
ورغم محاولات بايدن السابقة لإحياء اتفاق 2015، إلا أن ترامب يعود الآن ليفرض رؤية جديدة، مستندا إلى قصف المنشآت النووية الإيرانية العام الماضي كخط أحمر لمنع إنتاج السلاح.
وفي المقابل، تعرض إيران كبادرة حسن نية خفض تخصيبها من 60% إلى 20% عبر مزج مخزونها باليورانيوم المستنفد، وهي خطوة يراها البعض محاولة ذكية لامتصاص الضغوط الدولية مع الاحتفاظ بالمعرفة التقنية التي تجعلها "دولة حافة نووية" بامتياز.



