عاجل

حكم تقديم رمي الجمرات.. الدكتور نظير عياد يوضح آراء الفقهاء

الدكتور نظير عياد
الدكتور نظير عياد

ورد سؤال إلى الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، حول حكم الشرع في تقديم رمي الجمار مجمعة في أول أيام التشريق وهو اليوم الحادي عشر من شهر ذي الحجة، في مثل الأحوال الآتية:

حاج تطلبت ظروف سفره أن يسافر عصر الحادي عشر من ذي الحجة، كالطبيب ونحوه ممن يتم استدعاؤهم لأمر طاري ولا يمكنهم الرجوع مرة أخرى خلال أيام التشريق.

احتياج الحاج إلى تعجيل الرمي في أول يوم من أيام التشريق لوجود زحام شديد وارتفاع في درجات الحرارة؟

حكم تقديم رمي الجمرات

وأجاب الدكتور نظير عياد، بأن منسك رمي الجمار من مناسك الحج، و"الأُمَّةِ أَجْمَعَتْ عَلَى وُجُوبِهِ"، كما قال الإمام علاء الدين الكاساني في "بدائع الصنائع" (2/ 136 ، ط. دار الكتب العلمية).

ولفت إلى أن تقديم رمي الجمار في أول أيام التشريق وهو الحادي عشر من ذي الحجة فجوازه مختلف فيه بين الفقهاء، ومدار خلافهم يرجع إلى مدى اعتبار جملة أيام التشريق الثلاث كوقت واحد صالح لرمي جميع الجمار، أو عدم اعتباره واستقلال كل جمرة بوقت عما قبلها وما بعدها من الجمار. ينظر : "البيان" للإمام العِمْرَانِي (4) 353 ، ط. دار المنهاج.

وأضاف: فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية، والشافعية في مقابل الأظهر إلى أن رمي الجمار له أوقات متعددة متمثلة في أيام التشريق الثلاثة الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة لمن تَعَجَّل في يومين، ويُضاف إليهما الثالث عشر لمن تأخر، وكلاهما لا إثم عليه، بحيث تستقل كل جمرة بوقت تام ابتداءً وانتهاء عما قبلها من الجمار وما بعدها.

وقال مفتي الجمهورية، بينما ذهب الشافعية في الأظهر والحنابلة إلى أن أيام التشريق كلها بالنسبة لرمي الجمار لا يستقل كل يوم منها بوقت لرمي الجمار فيه، وإنما هي في مجموعها وقت واحد موسع، "كَاليَومِ الواحد".

كما قال الإمام أبو الحسين العِمْرَانِي في "البيان" (4) (352) ، وليست أوقاتاً متعددة، شأنها في ذلك شأن أوقات العبادات الموسَّعَةِ التي جَعَل الشرع لوقتها أولا وآخرا، ويتحمل كل وقت من هذه الأوقات أداء العبادة في جزء منه، مع اختلاف الأفضلية بين أجزائه تلك، إلا أن جميع أجزائه مشتركة في الجواز والإجزاء، ومن ذلك : وقت الوقوف بعرفة، وأوقات الصلوات التي تخير الشرع من وقتها قدرًا تؤدى فيه وفضله على غيره من الأوقات ضمن الحيّز الزمني للوقت الواحد، ولا ينفي ذلك صحتها في آخر الوقت الموسع أو أوسطه مع وقوعها في ذلك كله أداءً، وكذلك وقت ذبح الأضحية، فإن ما بعد صلاة العيد إلى غروب شمس ثالث أيام التشريق وقت واحد لها عند من قال به.

مع تفصيل في هذا الوقت بين الأفضل منه والمجزئ، فكذلك الشأن في رمي الجمار، حيث تخير الشرع لكل قدر من تلك الجمار وقتا هو لها بمثابة وقت الأفضلية للصلاة أو غيرها مما بيناه، لا أنَّ هذا الوقت المفضل مستقل بنفسه عن غيره.

فإن تأخر رمي الجمار في أيام التشريق عن الوقت المختار وقع أداء في آخر الوقت لا قضاء؛ لأنه وقع في الوقت الواحد المشروع للرمي، وكلُّ ما هنالك أنه خرج عن وقت الأفضلية أو الاختيار إلى وقت الجواز، وكل ذلك مجزئ.

المختار للفتوى في حكم تقديم رمي الجمار أول أيام التشريق

واستكمل الدكتور نظير عياد: أما التقديم في رمي الجمار أول أيام التشريق فالمختار للفتوى أنه جائز شرعًا ومجزى على أحد الوجهين عند الشافعية، وصرح به بعض فقهائهم الأئمة الأعلام، منهم: الإمام المجتهد أبو القاسم الفُورَانِي سيد فقهاء مَرو [ت: 461هـ]، وإمام الحرمين أبو المَعَالِي الجُوَيْنِي [ت : 478هـ)، كما نصوا على أنه يقع حينئذ أداء لا قضاء، انطلاقا من اعتبار وحدة أيام التشريق الثلاث كوقت يرمي الجمار.

ولا ينافي ذلك أن الشرع قد تخير لكل قدر منها وقتا؛ إذ هي كأقسام الوقت الواحد للصلاة المفروضة، فمنها وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت جواز، وتتحد هذه الأقسام من الوقت وتتداخل ابتداءً وانتهاء، كما في "حاشية الإمام الشَّرْوَانِي على تحفة المحتاج" (1/ 418 ، ط. المكتبة التجارية).

فوقت الرمي بأيامه الثلاثة على هذا القول يسع أداء النُّسُك في أي جزء منه، ومع ذلك فإن للشرع اختيارًا وتفضيلا لبعضه على بعض، فيكون لرميه ثلاثة أوقات : وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت جواز"، كما قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (1) 493 ، ط. دار الكتاب الإسلامي)، فمن رمى في غير وقت الفضيلة خلال أيام الرمي الثلاث، فقد وافق رميه قدرًا من الوقت المشروع للرمي، ويقع حينئذ أداءً، ويُجزئه عن نُسك الرمي بلا فدية عليه في ذلك ولا إثم ولا حرج.

وأضاف يتحصل مما سبق: أن التقديم في رمي جمار أيام التشريق في اليوم الأول منها وهو الحادي عشر من شهر ذي الحجة - مما أجازه الشافعية في أحد الوجهين عندهم، وهو من المسائل التي يُراعى التخفيف فيها على المسلمين؛ إذ من القواعد المقررة شرعًا أنه "لَا يُنْكَرُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ وَإِنَّمَا يُنْكَرُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ"، كما في "الأشباه والنظائر للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي (ص: 158، ط. دار الكتب العلمية.

وأنه يجوز الأخذ بقول أي من المجتهدين في مسائل الخلاف ما دام الخلاف معتبرًا، خاصةً إذا تَحَتَّمَ السفر على الحاج في اليوم الأول من أيام التشريق - كأن يكون طبيبًا أو نحوه تم استدعاؤه بحيث لا يتمكن معها من الانتظار لرمي الجمار في أوقاتها المختارة المَسْنُونَة أصالة، والقاعدة المقررة في الشرع أن "الْمَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِير"، كما في "الأشباه والنظائر" للإمام تاج الدين السبكي (1) 49 ، ط. دار الكتب العلمية.

حكم تقديم رمي الجمار.. الدكتور نظير عياد يوضج

والأصل في هذه القاعدة قول الله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185]، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» أخرجه الإمامان: أحمد في "المسند"، والطبراني في " المعجم الكبير".

وأكد أنه إذا تَعَلَّق الأمر بحفظ المُهج والنفوس مِن الضَّرَرِ والهلاك الناتج عن تزاحم الحجاج في أوقات واحدة على مناسك معينة استلزم ذلك التخفيف والتيسير ما أمكن؛ لما تقرر في الشرع من أَنَّ حِفظ النفس مقصد أساسي من مقاصد الشرع الكلية.

كما أن تيسير النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، في تلك الفريضة يقتضي رفع الحرج في وقت الرمي، وأن التقديم فيه لا يضر بفاعله ولا يلحق به الإثم ولا يُنقص منه الثواب، كما لا يضر في غيره من المناسك التي رفع الحرج عن فاعلها تقديمًا وتأخيرًا ولا يُرَتِّب عليه الإثم ولا ينقص من ثوابها ما دام له في الشرع مندوحة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل، فقال : لم أَشْعُرْ فحلقتُ قبل أن أذبح. فقال: «اذْبَحْ وَلَا حرج»، فجاء آخر فقال : لم أَشْعُرْ فنحرت قبل أن أرمي. قال: «ازم وَلَا حَرَجَ»، فما سُئِلَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلا قال: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».

تم نسخ الرابط