تناقلت وكالات الأنباء العالمية أحدث تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وتصدرت نشرات الأخبار (Breaking News) نبأ الإعلان رسميًا عن فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية. لكن الفتح ليس دائمًا ولا كاملًا، والصورة العامة تنقصها الكثير من الكواليس: هل هي هدنة مؤقتة (10–15 يوم)؟ أم ضغط أمريكي كما أعلن دونالد ترامب؟ أم نجاح أبناء الخميني في فرض شروط إيرانية صارمة على المرور؟
بعيداً عن التحليل العاطفي الشعبوي ، لا شيء مؤكد، إلا استجابة الأسواق الفورية وهبوط أسعار النفط لأكثر من 10%، بينما تشير تحليلات إلى مكاسب تحققت للبعض داخل الأسواق العالمية خلال فترة القرارات المتسارعة التي بدت في ظاهرها غير محسوبة. دفعت ثمنها دول الخليج من أمنها واستقرارها، ولبنان من أرضها وشعبها الصامد، وفلسطين وقضيتها التي طوت أخبار غزة، ومصر وأوروبا ودول المنطقة من تأثر اقتصاداتها واستنزاف ميزانيات الطاقة على حساب شعوبها، في مقابل تأثير صيني هادئ لا يدفع بأفاتار إعلامي يظهر قوة خرافية ، ويكتفي باستكمال تنفيذ خطط “طريق الحرير” بثبات.
فهل تورط ترامب في أطماع نيتنياهو و بدأ حربًا غير محسوبة الدوافع والنتائج؟ أم خطط لزرع أزمة لأهداف سياسية واقتصادية نجح في تحقيقها؟ أولها إشغال عيون الإعلام عن أزمات داخلية" فضائح ابستن في خلفية المشهد مثالاً"، ودعم نتنياهو في خطط توسع جيوإستراتيجي في الضفة الغربية والجنوب اللبناني، والسيطرة على أصوات المعارضة داخليًا عبر دفع المجتمع الاسرائيلي إلى دوامة خطر لا يصيب إلا عشرات على أطراف الحياة، لكنه يسيطر على عقول الملايين من نخبته المختارة.
و لفهم “النتيجة”، نعود خطوة إلى بداية الأزمة: حرب بدأت بضربات أمريكية–إسرائيلية على إيران (فبراير 2026)، تبعها رد إيراني بإغلاق مضيق هرمز فعليًا عبر زرع ألغام بحرية وتهديد السفن، في تصعيد اقتصادي عالمي لشريان ينقل نحو 20–25% من نفط العالم. هي حرب طاقة باستخدام المضايق من جديد “كما في أكتوبر 73”.
أدى الإغلاق إلى شلل في الشحن وارتفاع حاد في أسعار الطاقة، وتعليق مئات السفن في الخليج، وخلق حالة من القلق الشعبي والسياسي الغير مسبوق لدول الخليج العربي التي دفعت فاتورة مقدماً تقدر بمليارات الدولارات لضمان "أمنها "، ومع أول مواجهة ،"لم تجده"، كما تأثرت بشدة اقتصادياً دول مثل مصر ودول المنطقة النامية، وكذلك أوروبا المنهكة أصلًا من آثار الحرب الروسية الأوكرانية.
من جانبها، سعت الولايات المتحدة للسيطرة على المضيق، وأعلنت فرض حصار بحري على إيران، وبدأت عمليات عسكرية لم تنفذ بالكامل لإعادة فتح الممر. ردت إيران بالسماح بمرور محدود لدول حليفة (الصين، الهند…). هنا يظهر البعد الصيني بوضوح كأحد أكبر المستفيدين من المرور الانتقائي خلال الأزمة.
شهدت المرحلة محاولات تهدئة، من بينها جلسات حوار إقليمية لم تكلل بالنجاح، ثم تصاعدت الأحداث مع قصف بيروت وسقوط مئات الضحايا، قبل أن يعلن لاحقًا عن فتح المضيق ضمن هدنة سياسية متعددة الأطراف، تشمل وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، وبين إسرائيل وحزب الله.
ورغم ذلك، يعلن أن فتح هرمز هو جزء من “صفقة تهدئة” وليس نهاية الحرب، بعد ضغط اقتصادي عالمي نتيجة انهيار سلاسل الإمداد وتهديد الطاقة في أوروبا وآسيا، وضغوط من دول كبرى، إضافة إلى تضرر البنية التحتية والمصالح الإيرانية نفسها، خاصة في ظل الحاجة الملحة لتصدير النفط، حيث إن استمرار الإغلاق يعني خنقًا اقتصاديًا داخليًا.
فهل المضيق مفتوح فعلًا؟
الإجابة الواقعية: فتح جزئي مشروط.
حيث يتم المرور عبر مسارات محددة وبالتنسيق مع الحرس الثوري، الذي لم يسقط كما أعلنت الولايات المتحدة في بداية الحرب وفقا لبنك الأهداف المعلن، ولا تزال هناك قيود مستمرة تشمل منع السفن العسكرية واستمرار التهديد والحصار، إلى جانب مخاطر الألغام البحرية التي لم تزل بالكامل، وتردد شركات الشحن في العودة، وارتفاع كلفة التأمين.
بمعنى أدق:
المضيق “مفتوح سياسيًا”… لكنه “غير آمن بالكامل عمليًا”.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل حققت الولايات المتحدة وإسرائيل أهدافهما؟
إذا كان الهدف هو إعادة فتح المضيق واستعادة تدفق الطاقة، فقد تحقق ذلك جزئيًا وتحت شروط، ونجحت خطة الإلهاء الداخلي والسيطرة السياسية" استعراض عناوين كبري المواقع الإعلامية خلال الشهرين الماضيين كفيل بالوصول الي رد "، فضلاً عن انباء تتردد عن استفادة ترامب ورجال أعمال بأرباح نتيجة تذبذب الأسعار والتلاعب بأسعار الطاقة والذهب في البورصات العالمية " هنا المعلومات المسبقة تساوي مليارات !
أما إذا كان الهدف كسر إيران أو إنهاء قدرتها على التأثير في ممرات الطاقة، فالنتيجة حتى الآن تشير إلى العكس: إيران لا تزال تمسك بورقة المضيق، وتفرض معادلة جديدة تجعل من فتحه قرارًا سياسيًا لا إجراءً تقنيًا.
وبين هدف تحقق جزئيًا وآخر لم يحسم ،تظل النتيجة الحقيقية للحرب مؤجلة، تدار لا في ساحة القتال فقط، بل في أسواق الطاقة، وغرف التفاوض، وعلى خرائط النفوذ التي لم تستقر بعد.