الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء أي مجتمع، وأي خلل في بنيانها ينعكس مباشرة على استقرار المجتمع ككل. ومن هنا تأتي أهمية مراجعة وتعديل قوانين الأحوال الشخصية بما يحقق التوازن العادل بين حقوق الزوج والزوجة، ويصون مصلحة الأبناء، ويعزز الاستقرار الأسري وفق مقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت لحفظ المال والعقل والدين والعرض بل والوطن ككل.
لذلك جاء الإسلام بمنهج متكامل يهدف إلى بناء أسرة مستقرة قائمة على المودة والرحمة، كما قال الله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً".
فنجد أن الإسلام حرص علي تاكيد مبدأ العدل في التعامل بين الزوجين فقال تعالى: "لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِۚ" وهو توجيه عام شامل يقتضي حسن المعاملة والإنصاف، ويضع أساسًا تشريعيًا هاما منذ أكثر من ١٤ قرنا من الزمان يمكن أن تُبنى عليه قوانين الأحوال الشخصية بما يحقق المصلحة المتغيرة للأسر عبر الزمن.
وفي السنة النبوية، يقول رسول الله ﷺ: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"، وهو ما يبرز أن معيار الخيرية في الإسلام يبدأ من داخل الأسرة، ويؤكد ضرورة تعزيز القيم الأخلاقية في العلاقة بين كافة افراد الأسرة.
كما لم يغفل الإسلام حقوق الأبناء، بل شدد على مسؤولية الوالدين في تربيتهم ورعايتهم، حيث قال النبي ﷺ: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"، وقال رسول الله في الحديث أيضا "كفى بالمرء اثما ان يضيع من يعول " وهو ما يضع على عاتق التشريعات ضرورة حماية حقوق الأطفال وضمان نشأتهم في بيئة مستقرة وآمنة.
فالأصل في العلاقة الزوجية هو الاستقرار النفسي والمادي، بما يضمن تربية سوية للأبناء داخل هذه الاسرة سواء كانت الأسرة قائمة بالزوجية ام كانت قائمة بعد الطلاق لقوله تعالى:(الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)
نعم فالأصل في الطلاق ان يكون باحسان اكثر مما كان في الزواج.
لذلك شرع الله الطلاق ليحافظ علي الأسرة عند استحالة الشهرة بين طرفيها وليس كما نراه قد شاع بين بعض الناس ممن غفل عن دينه وسنة رسوله انه نهاية لترابط الأسرة وبداية لصراعات دموية وانهيار لأطرافها سواء كان الزوج او الزوجه او الأبناء.
ومن هنا، أقول أن تعديل قانون الأحوال الشخصية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره صراعًا بين الرجل والمرأة، بل هو عملية إصلاح شاملة تهدف إلى تحقيق العدالة للطرفين، ومنع الظلم، وتقليل النزاعات التي تؤدي إلى تفكك الأسرة. فالقانون الناجح هو الذي يوازن بين الحقوق والواجبات، ويمنع التعسف في استخدام السلطة من أي طرف.
وهنا اقدم اقتراحا بسيطا ارجو ان ينال قسطا مناسبا من النظر ممن يهمه الامر.
يقول الله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ)
فالشارع هنا الزم والد الصغار حال حياته بنفقتهم كاملة دون ان يكون على الأم اي إلزام بتحمل اي ضغوط او نفقات لأولادها حتي وان كانت ميسورة الحال.
فيكون الوالد مسؤولا عن سداد نفقات أولاده كاملة دون تحمل الزوجة العبئ المادي او النفسي لترتيب ذلك.
وبناء على ما سبق وحال امتناع الأب عن الانفاق علي صغاره لماذا لا يتم ربط تلك النفقات الاساسية (فورا) لكل مولود صدرت له شهادة ميلاد رسمية باسم والده الكترونيا بحيث انه يعامل نفس معامله من تقدم لاخذ قرض من البنك.
علي أن يكون سداد تلك النفقات عن طريق حسابات الأب في البنك مباشرة أو عن طريق كروت الدفع البنكية الفيزا كارد اوتوماتيكيا علي أن يكون هذا بالضبط كما يحدث في تسديد قروض البنوك. وانه في حال تقاعس الاب عن سداد التزامات ابنائه الماديه التي تؤمن لهم الملبس والمسكن والماكل والعلاج والتعليم كل حسب قدراته المادية المثبتة .. يتم ايقاف كافة حسابات الأب الممتنع عن نفقة صغاره في كافة البنوك وايقاف تجديد سياراته وايقاف كافه ممتلكاته لحين تامين تسديد نفقات الصغار .. على غرار ما يحدث عند تقاعس احد الاشخاص عن سداد التزاماته المالية بالبنوك.
وبالطبع يكون القانون مسؤولا عن وضع الضوابط اللازمه لتنظيم وتنسيق تنفيذ ما سبق من اقتراح بما يضمن مصلحة الاب والأم والابناء.
وهنا وثمن توجيه سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي بتعجيل خروج قانون الاحوال الشخصية الى النور بعد تعديلاته بما يناسب الاسرة المصري في زماننا هذا وبما يضمن امان واستقرار المجتمع ولما يراعي التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي أصبحت ضرورة ملحّة، إذ لم تعد أنماط الحياة كما كانت في السابق، مما يستدعي تحديث بعض الإجراءات القانونية بما يحفظ روح الشريعة ومقاصدها، لا مجرد التمسك بالصور التقليدية.
وفي الختام، فإن استقرار الأسرة هو استقرار للمجتمع بأسره، وأي جهد يُبذل لتطوير قوانين الأحوال الشخصية بما يحقق العدل والرحمة والتوازن، إنما هو امتداد حقيقي لتعاليم الإسلام التي جاءت لحفظ الدين والنفس والعِرض والنسل. ومن ثم، فإن الإصلاح القانوني الواعي هو خطوة ضرورية نحو مجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا.
الشيخ خالد الجمل