عاجل

تحت قبة البرلمان.. كيف أثارت مقترحات النواب عاصفة من الجدل في مصر؟

مجلس النواب
مجلس النواب

شهدت الأيام الماضية حالة من الجدل داخل الأوساط السياسية والمجتمعية في مصر، عقب تداول عدد من المقترحات المقدمة من ثلاثة أعضاء بمجلس النواب، والتي أثارت نقاشًا واسعًا حول جدواها وانعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية.

وتضمنت المقترحات النيابية، وفق ما تم تداوله، مقترحًا تقدم به النائب محمد سمير بلتاجي بشأن إطلاق مبادرة شعبية للتبرع بمبلغ مليون جنيه لسداد جزء من الديون الخارجية لمصر، على أن يشارك فيها نحو 5% من المواطنين.

كما تقدمت النائبة ريهام عبد النبي بمقترح يتعلق بحجب المواقع الإباحية داخل مصر، بهدف تعزيز الحماية المجتمعية والرقمية، والحد من التأثيرات السلبية للمحتوى غير المناسب على المستخدمين، فيما طرح النائب عمرو فهمي مقترحًا لتعديل قانون الأحوال الشخصية، يتضمن تحديد حد أدنى للنفقة بقيمة 10 آلاف جنيه، إلى جانب بند يتعلق بتخصيص ثلث ثروة الزوج في بعض حالات النزاع الأسري.

عز الدين حسانين: تمويل «الدين» من جيوب المواطنين يهدد الثقة والاستثمار

بشأن المقترح الخاصة بالبتبرع بمليون جنيه لسداد ديون مصر الخارجية، فحذر الدكتور عز الدين حسانين، أستاذ التمويل والاستثمار، من المقترح البرلماني الخاصة باقتطاع نسب من دخول المواطنين وكبار الممولين لسداد جزء من الدين العام، الذي بلغ نحو 15 تريليون جنيه في العام المالي 2025/2026، معتبرًا أن هذا التوجه يعكس “ارتباكًا في فلسفة السياسة المالية” وخلطًا غير دقيق بين دور الدولة ودور الكيانات التطوعية.

اللجوء لجيوب المواطنين 

وأكد "حسانين"، في تصريحات خاصة أن اللجوء إلى جيوب المواطنين لسداد دين سيادي يمثل إخلالًا بمفهوم الاستدامة المالية، ويحوّل ما يُطرح باعتباره “مساهمة طوعية” إلى ما يشبه “ضريبة استثنائية”، وهو ما قد يخلق حالة من عدم اليقين في بيئة الاستثمار، في وقت تحتاج فيه الاقتصادات إلى تعزيز الثقة لا تقويضها.

وأوضح أن معالجة الدين العام لا تتم عبر استنزاف المدخرات الخاصة، بل من خلال تنمية الاقتصاد الحقيقي، بحيث تنخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي عبر زيادة الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمار الأجنبي، وليس عبر حلول أحادية الجانب قصيرة الأجل.

وأشار إلى أن أي مقترح يستهدف أصحاب الدخول التي تتجاوز 75 ألف جنيه شهريًا، أو الشركات التي تتخطى إقراراتها 50 مليون جنيه، يضع هذه الفئات تحت عبء إضافي فوق الشرائح الضريبية المرتفعة بالفعل، ما قد يدفع إلى “التهرب الضريبي القانوني” أو إعادة هيكلة الأنشطة خارج الاقتصاد المحلي بحثًا عن استقرار ضريبي أكبر.

ازدواجية في أدوات السياسة المالية

وأضاف أن تحويل هذه المبادرات إلى أدوات إلزامية يمثل “ازدواجية في أدوات السياسة المالية”، حيث إن الدين الداخلي يدار عادة عبر أدوات مثل إدارة آجال الاستحقاق، وعمليات السوق المفتوحة، ومبادلات الدين بالأصول، وليس عبر سحب مباشر من السيولة الخاصة.

ولفت حسانين إلى أن الأثر الكلي لمثل هذه السياسات سيكون انكماشيًا بالأساس، إذ يؤدي سحب سيولة من السوق إلى تقليص الطلب الكلي، ما ينعكس على معدلات النمو، ويؤثر سلبًا على حصيلة الضرائب غير المباشرة، وفي مقدمتها ضريبة القيمة المضافة.

كما حذر من أن هذه الإجراءات قد تؤثر على الاستقرار الائتماني للأفراد والشركات، خاصة أن جزءًا كبيرًا من أصحاب الدخول المرتفعة مرتبطون بالتزامات تمويلية واستثمارية قائمة، ما قد يرفع مخاطر التعثر المالي في حال تطبيق اقتطاعات مفاجئة، مؤكدًا أن العدالة الاقتصادية لا تتحقق عبر إجراءات استثنائية محدودة الزمن، وإنما من خلال تطوير النظام الضريبي القائم ورفع كفاءته وتوسيع قاعدته بشكل تدريجي ومستقر.

بدائل فنية أكثر كفاءة 

وفي المقابل، طرح الخبير الاقتصادي مجموعة من البدائل الفنية الأكثر كفاءة، من بينها إصدار سندات وطنية طويلة الأجل (Zero-Coupon Bonds) موجهة لفئات الدخل المرتفع، بما يضمن توجيه السيولة نحو تمويل الدين مع الحفاظ على حقوق المستثمرين.

كما دعا إلى التوسع في صكوك التنمية المرتبطة بمشروعات إنتاجية، بما يحول الأموال من “تغطية التزامات سابقة” إلى تمويل أصول تولد عوائد مستقبلية، إلى جانب تفعيل ضريبة الأرباح الرأسمالية بشكل أكثر اتساعًا بدلًا من استهداف الدخول الثابتة، مشددًا على  أهمية مبادلة الدين بالأصول، وتفعيل مفهوم “الموازنة الموحدة” من خلال دمج إيرادات الهيئات الاقتصادية ضمن حساب خزانة موحد، بما يعزز كفاءة إدارة الموارد العامة ويقلل الحاجة إلى حلول استثنائية.

وأوضح أن التقديرات المتفائلة لحجم التبرعات أو الاقتطاعات المحتملة لا تتجاوز في أفضل حالاتها تريليون جنيه، وهو ما يمثل نسبة محدودة من إجمالي الدين، ولا يغطي سوى جزء من الفوائد السنوية، فضلًا عن كونه إجراءً لمرة واحدة لا يعالج أصل المشكلة.

وشدد على أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في حجم المساهمات المحتملة، وإنما في طبيعة النموذج الاقتصادي القائم، موضحًا أن سحب تريليون جنيه من السيولة في عام واحد قد يؤدي إلى انكماش اقتصادي حاد ينعكس سلبًا على الإيرادات الضريبية ويقلل من قدرة الدولة على التحصيل.

واختتم حسانين بالتأكيد على أن الحلول المستدامة تبدأ من “استعادة وحدة الخزانة العامة” وإعادة توجيه الموارد المبعثرة داخل الاقتصاد نحو الحساب الموحد للدولة، إلى جانب تفعيل إدارة رشيدة للهيئات والصناديق الاقتصادية، بدلًا من الاعتماد على حلول مالية استثنائية تمس القوة الشرائية للمواطنين.

حجب المواقع الإباحية في مصر 

ومن جانبه أكد محمد الحارثي، خبير تكنولوجيا المعلومات، لـ«نيوز رووم» أن حجب المواقع الإباحية في مصر أمر ممكن من الناحية التقنية، مشيرًا إلى أن الدولة سبق وأن طبقت قرارات حجب على عدد من المواقع خلال فترات سابقة، في إطار حماية المجتمع من المحتوى الضار.

وأوضح أن آلية الحجب تعتمد على منع الوصول إلى نطاقات (Domains) معينة عبر مزودي خدمات الإنترنت داخل الدولة، بحيث لا يتمكن المستخدم من فتح هذه المواقع من داخل الشبكات المحلية، مشيرًا إلى أن هذه الآلية أصبحت أسهل وأقل تكلفة مقارنة بالماضي نتيجة تطور التقنيات والبنية التحتية الرقمية.

قرارات تنظيمية وتنسيق مع شركات الاتصالات

وأضاف أن لكل دولة الحق في تنظيم المحتوى المتاح عبر الإنترنت داخل حدودها، خاصة إذا كان يمثل تهديدًا للقيم المجتمعية أو الأمن الرقمي، مؤكدًا أن الحجب لا يتطلب بالضرورة تكاليف ضخمة، بل يعتمد بشكل أساسي على قرارات تنظيمية وتنسيق مع شركات الاتصالات.

وأشار إلى أن الحجب لا يعني القضاء الكامل على الظاهرة، لكنه يساهم في تقليل حجم الوصول بشكل ملحوظ، موضحًا أن بعض المستخدمين قد يلجأون إلى وسائل بديلة للتحايل، لكن ذلك يحد من الانتشار الواسع والعشوائي.

ولفت إلى أن الانتشار الكبير للمواقع الإباحية عالميًا يعود إلى تطورها المستمر، حيث تحولت من مواقع تقليدية إلى منصات شبيهة بوسائل التواصل الاجتماعي، تقدم محتوى سريعًا ومجانيًا في بعض الأحيان، كما أنها لم تعد تعتمد فقط على الشكل التقليدي، بل توسعت لتشمل محتوى غير مباشر عبر منصات مختلفة وألعاب إلكترونية.

وأكد أن الظاهرة ليست مقتصرة على دولة بعينها، بل تمتد عالميًا، ما يعكس طابعها الدولي، مشددًا على أهمية الجمع بين الحلول التقنية والتوعية المجتمعية للحد من آثارها.

ومن جانبه، أكد الدكتور وليد حجاج، خبير تكنولوجيا المعلومات، أن حجب المواقع الإباحية داخل مصر ممكن تقنيًا وبشكل واضح، موضحًا أن آلية الحجب تعتمد على منع الوصول إلى “الدومين” أو النطاق الإلكتروني للموقع عبر مزودي خدمات الإنترنت.

توفر البنية التكنولوجية

وأشار إلى أن عملية الحجب يمكن تنفيذها بسهولة عبر إدراج المواقع ضمن قوائم الحظر، مؤكدًا أن هذا الإجراء سبق تطبيقه على مواقع أخرى، ما يثبت توفر البنية التكنولوجية اللازمة.

وأوضح أن هناك إمكانية للتحايل على الحجب باستخدام أدوات تقنية مثل الشبكات الافتراضية، إلا أن هذه النسبة تظل محدودة، مؤكدًا أن الهدف من الحجب ليس المنع الكامل، بل تقليل حجم الوصول بشكل كبير.

قانون الأحوال الشخصية 

في سياق متصل قالت المحامية نهى الجندي، إن قانون الأحوال الشخصية يشهد تطورًا مستمرًا بهدف تحقيق التوازن بين حقوق جميع الأطراف، مؤكدة أن المعيار الحاكم في أي تعديل يجب أن يكون مصلحة الطفل الفضلى باعتبارها الأساس في كافة القرارات المرتبطة بالأسرة.

مصلحة الطفل أولًا

وأضافت الجندي، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن القضاء يلعب دورًا محوريًا في تحقيق هذا التوازن، من خلال تقييم كل حالة على حدة، مشيرة إلى أنه يمكن تعديل نظام الحضانة إذا ثبت وجود ضرر على الطفل، بما يضمن توفير بيئة أكثر أمانًا واستقرارًا له، لافته إلى أن تحديد مصلحة الطفل لا يقتصر على جانب واحد، بل يشمل عدة معايير أساسية، من بينها توفير بيئة آمنة ومستقرة، والحفاظ على العلاقة المتوازنة مع كلا الوالدين، إلى جانب تلبية احتياجاته النفسية والتعليمية والصحية بشكل كامل.

الحضانة بين الجدل والتعديل

وفيما يتعلق بملف الحضانة، أشارت الجندي إلى أن هناك نقاشًا واسعًا حول سن الحضانة وترتيب المستحقين، موضحة أن الترتيب التقليدي يمنح الأولوية للأم ثم الأب، إلا أن هذا الترتيب يجب أن يظل مرنًا ويحدد وفقًا لمصلحة الطفل في المقام الأول، وليس بشكل جامد.

النفقة يجب أن تتناسب مع معدلات التضخم

وأكدت أن قيمة النفقة يجب أن تتناسب مع معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، لافتة إلى أن تقديرها يعتمد على دخل الأب واحتياجات الطفل الفعلية، بما يضمن حياة كريمة له دون إجحاف لأي طرف، وأن هناك حاجة لتفعيل آليات أكثر صرامة لضمان سداد النفقة، مثل الخصم المباشر من الراتب أو اتخاذ إجراءات قانونية على الأصول، بما يضمن عدم التهرب من الالتزامات.

الوصاية وحماية أموال القصر

وفيما يخص الوصاية على أموال القصر، شددت الجندي على ضرورة إعادة النظر في بعض الجوانب لضمان حماية حقوق الأطفال المالية، من خلال تعيين أوصياء موثوقين أو تعزيز دور محاكم الأسرة في الرقابة، مشيرة إلى أهمية إقرار حق الاستضافة بشكل واضح، لما له من دور كبير في تعزيز العلاقة بين الأب وأبنائه، وخلق بيئة نفسية صحية ومتوازنة للأطفال بعد الانفصال.

أكدت نهى الجندي أن هناك جهودًا حكومية ومجتمعية جادة لإصلاح قانون الأحوال الشخصية، لكن الأهم هو أن تكون التشريعات مرنة وقابلة للتطبيق، وتضع مصلحة الطفل فوق أي اعتبارات أخرى، باعتبارها حجر الأساس في بناء مجتمع مستقر.

تم نسخ الرابط