عاجل

عز الدين حسانين: تمويل «الدين» من جيوب المواطنين يهدد الثقة والاستثمار |خاص

الدكتور عز الدين
الدكتور عز الدين حسانين، أستاذ التمويل والاستثمار

حذر الدكتور عز الدين حسانين، أستاذ التمويل والاستثمار، من المقترح البرلماني الخاصة باقتطاع نسب من دخول المواطنين وكبار الممولين لسداد جزء من الدين العام، الذي بلغ نحو 15 تريليون جنيه في العام المالي 2025/2026، معتبرًا أن هذا التوجه يعكس “ارتباكًا في فلسفة السياسة المالية” وخلطًا غير دقيق بين دور الدولة ودور الكيانات التطوعية.

اللجوء لجيوب المواطنين 

وأكد حسانين، في تصريحات خاصة أن اللجوء إلى جيوب المواطنين لسداد دين سيادي يمثل إخلالًا بمفهوم الاستدامة المالية، ويحوّل ما يُطرح باعتباره “مساهمة طوعية” إلى ما يشبه “ضريبة استثنائية”، وهو ما قد يخلق حالة من عدم اليقين في بيئة الاستثمار، في وقت تحتاج فيه الاقتصادات إلى تعزيز الثقة لا تقويضها.

وأوضح أن معالجة الدين العام لا تتم عبر استنزاف المدخرات الخاصة، بل من خلال تنمية الاقتصاد الحقيقي، بحيث تنخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي عبر زيادة الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمار الأجنبي، وليس عبر حلول أحادية الجانب قصيرة الأجل.

وأشار إلى أن أي مقترح يستهدف أصحاب الدخول التي تتجاوز 75 ألف جنيه شهريًا، أو الشركات التي تتخطى إقراراتها 50 مليون جنيه، يضع هذه الفئات تحت عبء إضافي فوق الشرائح الضريبية المرتفعة بالفعل، ما قد يدفع إلى “التهرب الضريبي القانوني” أو إعادة هيكلة الأنشطة خارج الاقتصاد المحلي بحثًا عن استقرار ضريبي أكبر.

ازدواجية في أدوات السياسة المالية

وأضاف أن تحويل هذه المبادرات إلى أدوات إلزامية يمثل “ازدواجية في أدوات السياسة المالية”، حيث إن الدين الداخلي يُدار عادة عبر أدوات مثل إدارة آجال الاستحقاق، وعمليات السوق المفتوحة، ومبادلات الدين بالأصول، وليس عبر سحب مباشر من السيولة الخاصة.

ولفت حسانين إلى أن الأثر الكلي لمثل هذه السياسات سيكون انكماشيًا بالأساس، إذ يؤدي سحب سيولة من السوق إلى تقليص الطلب الكلي، ما ينعكس على معدلات النمو، ويؤثر سلبًا على حصيلة الضرائب غير المباشرة، وفي مقدمتها ضريبة القيمة المضافة.

كما حذر من أن هذه الإجراءات قد تؤثر على الاستقرار الائتماني للأفراد والشركات، خاصة أن جزءًا كبيرًا من أصحاب الدخول المرتفعة مرتبطون بالتزامات تمويلية واستثمارية قائمة، ما قد يرفع مخاطر التعثر المالي في حال تطبيق اقتطاعات مفاجئة، مؤكدًا أن العدالة الاقتصادية لا تتحقق عبر إجراءات استثنائية محدودة الزمن، وإنما من خلال تطوير النظام الضريبي القائم ورفع كفاءته وتوسيع قاعدته بشكل تدريجي ومستقر.

بدائل فنية أكثر كفاءة 

وفي المقابل، طرح الخبير الاقتصادي مجموعة من البدائل الفنية الأكثر كفاءة، من بينها إصدار سندات وطنية طويلة الأجل (Zero-Coupon Bonds) موجهة لفئات الدخل المرتفع، بما يضمن توجيه السيولة نحو تمويل الدين مع الحفاظ على حقوق المستثمرين.

كما دعا إلى التوسع في صكوك التنمية المرتبطة بمشروعات إنتاجية، بما يحول الأموال من “تغطية التزامات سابقة” إلى تمويل أصول تولد عوائد مستقبلية، إلى جانب تفعيل ضريبة الأرباح الرأسمالية بشكل أكثر اتساعًا بدلًا من استهداف الدخول الثابتة، مشددًا على  أهمية مبادلة الدين بالأصول، وتفعيل مفهوم “الموازنة الموحدة” من خلال دمج إيرادات الهيئات الاقتصادية ضمن حساب خزانة موحد، بما يعزز كفاءة إدارة الموارد العامة ويقلل الحاجة إلى حلول استثنائية.

وأوضح أن التقديرات المتفائلة لحجم التبرعات أو الاقتطاعات المحتملة لا تتجاوز في أفضل حالاتها تريليون جنيه، وهو ما يمثل نسبة محدودة من إجمالي الدين، ولا يغطي سوى جزء من الفوائد السنوية، فضلًا عن كونه إجراءً لمرة واحدة لا يعالج أصل المشكلة.

وشدد على أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في حجم المساهمات المحتملة، وإنما في طبيعة النموذج الاقتصادي القائم، موضحًا أن سحب تريليون جنيه من السيولة في عام واحد قد يؤدي إلى انكماش اقتصادي حاد ينعكس سلبًا على الإيرادات الضريبية ويقلل من قدرة الدولة على التحصيل.

واختتم حسانين بالتأكيد على أن الحلول المستدامة تبدأ من “استعادة وحدة الخزانة العامة” وإعادة توجيه الموارد المبعثرة داخل الاقتصاد نحو الحساب الموحد للدولة، إلى جانب تفعيل إدارة رشيدة للهيئات والصناديق الاقتصادية، بدلًا من الاعتماد على حلول مالية استثنائية تمس القوة الشرائية للمواطنين.

تم نسخ الرابط