عاجل

الأزهر: سعيد بن زيد نموذج للمؤمن الزاهد في المناصب

جانب من ملتقى السيرة
جانب من ملتقى السيرة النبوية

قال الدكتور خالد عبد الرازق، أستاذ الحديث وعلومه المساعد بكلية أصول الدين بالقاهرة، إن سيدنا سعيد بن زيد رضي الله عنه كان من الصحابة الكرام الذين بشرهم النبي، صلى الله عليه وسلم، بالجنة، وهو أحد السابقين الأولين إلى الإسلام؛ إذ لم يسبقه إليه إلا عدد قليل، فأسلم في مرحلة مبكرة قبل دخول النبي دار الأرقم بن أبي الأرقم، وهو ما يدل على صدق إيمانه وقوة يقينه، وقد عرفت عنه مواقف عديدة تبرز إخلاصه وطاعته.

ملتقى السيرة النبوية

وأضاف عبد الرازق، خلال كلمته باللقاء الأسبوعي لـملتقى السيرة النبوية، ومن أبرز مواقف سيدنا سعيد بن زيد، موقفه في غزوة بدر، حين أرسله النبي، صلى الله عليه وسلم، مع طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه في مهمة استطلاعية لتقصي أخبار قريش، فامتثل للأمر دون تردد، ولما عاد وجد المعركة قد انتهت، غير أن النبي  ألحقه بأهل بدر في الأجر والمكانة، تقديرا لطاعته وقيامه بالمهمة، كما شهد مع النبي سائر الغزوات والمشاهد بعدذلك، وكان مثالا للصحابي الذي لا تشغله المناصب ولا يسعى إلى الظهور، بل كان همه الأول الامتثال لأوامر النبي، وخدمة الدعوة بإخلاص وثبات، وهو ما يعكس رسوخ إيمانه.

وأوضح الدكتور خالد عبد الرازق أن العلماء ذكروا أن سيدنا سعيد بن زيد رضي الله عنه كان من الصحابة المقلين في رواية الحديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فلم ينقل عنه إلا عدد محدود من الأحاديث، ويرجع ذلك إلى انشغاله الدائم بالجهاد في سبيل الله، إذ كان مرابطا في ميادين القتال، يكرس وقته وجهده للدفاع عن الإسلام ومواجهة الأعداء، ولم تكن قلة الرواية دليلا على قلة العلم أو المكانة، بل تعكس طبيعة دوره العملي في نصرة الدين، حيث قدم نموذجا للصحابي الذي يجمع بين صدق الإيمان والعمل الميداني.

وبين  الدكتور السيد بلاط، أستاذ ورئيس قسم التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، أن كتب التاريخ زاخرة بفضائل سيدنا سعيد بن زيد رضي الله عنه، ومن أبرزها أنه كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، كما عرف بملازمته للنبي في مختلف أحواله؛ فقد كان حاضرا معه في ميادين القتال، وملازما له في الصلاة، حتى روي أنه ما ترك صلاة خلف رسول الله منذ إسلامه، وهو ما يعكس شدة تعلقه به وحرصه على الاقتداء به في كل شأن، وقد عرف كذلك بصدقه الشديد، فلم يكن ينطق إلا بالحق، كما كان مجاب الدعاء.

وأفاد أن من أشهر ما روي في ذلك قصته مع أروى بنت أويس حين ادعت عليه ظلما في أرض، فأنكر ذلك وذكر قول النبي: "من ظلم شبرًا من أرض طوّقه يوم القيامة من سبع أرضين"، ثم دعا الله قائلا : "اللهم إن كانت كاذبة فأعمي بصرها وأجعل قدرها في بئرها"، وتروي الكتب أن أروى بن أويس قد فقت بصرها ووقعت في بئر لها، ولم تقتصر فضائله على ذلك، بل كان موضع ثقة الخلفاء الراشدين؛ إذ اتخذه سيدنا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما مستشارا، وكان ضمن أهل الشورى، لما عرف عنه من رجاحة عقل وأمانة، وهو ما يعكس مكانته الرفيعة ودوره البارز في بناء الدولة الإسلامية في تلك المرحلة.

وأكد الدكتور السيد بلاط، أن سيدنا سعيد بن زيد رضي الله عنه كان له دور بارز في الجهاد في سبيل الله تعالى؛ إذ شهد معظم المشاهد مع رسول الله ، ولم يتخلف عن غزوة بدر إلا تنفيذا لأمر النبي حين أرسله في مهمة استطلاعية لرصد أخبار قريش، وهو ما يؤكد كمال طاعته والتزامه، واستمر عطاؤه بعد وفاة النبي في عهد الخلفاء الراشدين، فشارك في الفتوحات الكبرى، وكان له حضور مشهود في معركة اليرموك في خلافة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حيث قاتل قتال الأبطال، كما شارك في فتح دمشق وغيرها من المعارك بنفس الروح المخلصة التي لا تبتغي شهرة ولا تسعى لظهور.

نموذج للمؤمن الزاهد في المناصب

واستكمل: لهذا وصفته كتب التاريخ بـ "الجندي المجهول"؛ لانصرافه إلى إتقان العمل وخدمة الإسلام في صمت، ولم ينقطع عن الجهاد، فشهد كذلك معركة أجنادين بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه في مواجهة الروم، وعلى المستوى السياسي، كان مثالا للصحابي الذي يقدم مصلحة الأمة على أي اعتبار، فبايع سيدنا أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليا رضي الله عنهم أجمعين، في دلالة واضحة على حرصه على وحدة الصف واستقرار الدولة، دون أن يتطلع إلى منصب أو يسعى إلى جاه، وإنما كان همه الدائم نصرة الإسلام وخدمة المسلمين بإخلاص وتجرد.

وبين أنه بعد هذه الرحلة الحافلة بالعطاء، التي جمعت بين الجهاد والعلم والعمل ومساندة الدعوة، توفي رضي الله عنه يوم الجمعة، في خلافة سيدنا معاوية بن أبي سفيان، سنة إحدى وخمسين للهجرة، بمنطقة العقيق بالمدينة المنورة، بعد حياة زاخرة بالمواقف المشرفة والسيرة العطرة.


جاء ذلك، خلال اللقاء الأسبوعي لملتقى السيرة النبوية، والذي عقده الجامع الأزهر، اليوم الأربعاء، تحت عنوان: من سير الصحابة.. سعيد بن زيد "دروس وعبر"، بحضور كل من: الدكتور السيد بلاط، أستاذ ورئيس قسم التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، والدكتور خالد عبد النبي عبد الرازق، أستاذ الحديث وعلومه المساعد بكلية أصول الدين بالقاهرة، وأدار الحوار: الدكتور فؤاد حسان، الإعلامي بإذاعة القرآن الكريم.

تم نسخ الرابط