الأوقاف: “النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل” عنوانا لخطبة الجمعة
حددت وزارة الأوقاف ضمن الإصدار الثامن والأربعون من سلسلة زاد الأئمة والخطباء “النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل” عنوانا لخطبة الجمعة القادمة.
النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل
وقالت الأوقاف إن الهدف هو التوعية بضرورة فهم النصوص الشرعية فهما صحيحًا، وبيان عواقب التأويل السيئ، مشيرة إلى أن النصوصَ الشرعية من قرآنٍ كريمٍ وسنّةٍ نبويةٍ؛ هي النورُ الذي يهدي العقول، والميزانُ الذي تُضبط به حياةُ الناس، غير أنَّ الانتفاع بها لا يتحقق بمجرد قراءَتها، بل بوجوب بفهمها على مراد الله ورسوله، وفق منهجٍ علميٍّ راسخ، ومن هنا كان الفهمُ الصحيح أساسَ الهداية، وكان سوءُ التأويل من أعظم أسباب الانحراف والفتنة؛ إذ قد يُحمَل النصُّ على غير مقصوده، فيُتَّخَذ ذريعةً للغلو أو التفريط، فالحاجة ماسّةٌ إلى تدبّرٍ واعٍ، وفهمٍ منضبطٍ، يقي من الزلل، ويقود إلى الصراط المستقيم.
وتابعت: فالخطرُ كلُّ الخطر في العقول التي تُسيء فهم تلك النصوص، والألسنة التي تُحرّف معانيها، والقلوب التي تتبع المتشابه ابتغاء الفتنة، قال الله تعالى محذرًا: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: ٧]، فتراهم يأخذون بعض الحق ويتركون بعضه، ويحملون الكلام على غير ما وُضع له.
وبينت الأوقاف منزلة الفهم السديد، ومقوماته وأدواته، وأسباب الزيغ عنه
منزلة الفهم السديد:
قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: ٨٢]، وقال أيضًا: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: ٢٤].
وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» [رواه أبو داود].
قال ابن بطال: "التفهم للعلم هو التفقه فيه، ولا يتم العلم إلا بالفهم، وكذلك قال علي رضي الله عنه: "والله ما عندنا إلا كتاب الله، أو فهم أُعطيه رجل مؤمن"، فجعل الفهم درجةً أخرى بعد حفظ كتاب الله؛ لأن بالفهم له تتضح معانيه وأحكامه، وقد نفى صلى الله عليه وسلم العلم عمن لا فهم له بقوله: «وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ»، وقال مالك: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو نور يضعه الله فى القلوب، يعنى بذلك فهم معانيه واستنباطه، فمن أراد التفهم فليحضر خاطره، ويفرغ ذهنه، وينظر إلى نشاط الكلام، ومخرج الخطاب، ويتدبر اتصاله بما قبله، وانفصاله منه، ثم يسأل ربه أن يلهمه إلى إصابة المعنى، ولا يتم ذلك إلا لمن علم كلام العرب، ووقف على أغراضها فى تخاطبها وأُيِّدَ بِجَوْدَةِ قريحة، وثاقب ذهن". [شرح صحيح البخاري لابن بطال].
وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما قائلًا: «اللهم فقِّهه في الدين وعلّمه التأويل» [رواه البخاري]، إشارةً إلى أن الفقهَ في الدين ليس مجرد حفظٍ أو رواية، بل هو فهمٌ عميق، ونظرٌ ثاقب، يُنزِّل النصوص منازلها، ويضعها في سياقها الصحيح، فبقدر ما يرزق العبد من فقهٍ صحيح، يكون قربُه من الحق، وبُعدُه عن الزلل والانحراف.
قيمة العقل في فهم النصوص:
إنَّ العقل السديد مفتاحٌ لفهم النصوص على وجهها الصحيح، فهو الذي يميّز بين الظاهر والباطن، ويستخرج الحكمة من الأحكام، ويجمع بين الأدلة في المسألة الواحدة، ومن ضيّع العقل أو أهمله، خسر الفهم، وتحولت النصوص إلى حروفٍ جامدةٍ بلا حياة، بينما من أبدع استخدام عقله وفْق مراد الله، صار النص مصدر هداية ونور في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: {فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ} [الأنبياء: ٧٩]، إذ وهبه الله فهمًا عميقًا للأمور، وعلمًا بالحكمة في تدبير الخلق، فاستنار عقله بالمعرفة، وتمكّن من إدراك مقاصد الله في النصوص والأحداث، وتطبيقها على الواقع بعدل وحكمة.
وعن عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثٌ مَنْ حُرِمَهُنَّ حُرِمَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: عَقْلٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ، وَحِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ السَّفِيهَ، وَوَرَعٌ يَحْجِزُهُ عَنِ الْمَعَاصِي» [العقل وفضله لابن أبي الدنيا].
عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ رضي الله عنه: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ" [رواه البخاري].
عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يُطْلَبُ هَذَا الْعِلْمُ مِمَّنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَصْلَتَانِ: الْعَقْلُ وَالنُّسُكُ، فَإِنْ كَانَ نَاسِكًا وَلَمْ يَكُنْ عَاقِلًا، وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا وَلَمْ يَكُنْ نَاسِكًا لَمْ تَطْلُبْهُ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَنَالُهُ إِلَّا النُّسَّاكُ الْعُقَلَاءُ" [العقل وفضله لابن أبي الدنيا].
ومما كتبه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسي الأشعري رضي الله عنه في شأن القضاء: "الفهمَ الفهمَ فيما يتلجلج في نفسك مما ليس في قرآن ولا سنّة" [رواه ابن أبي شبة في تاريخ المدينة].
أقسام عقول البشر في فهم النص:
العقول الربانية:
هي عقولٌ أيقظها الإيمان، فسمت عن سفاسف الأمور، واتجهت نحو الغاية التي خُلقت لها؛ فاستخدمت نورها في طاعة الله، وسخّرت فكرها فيما ينفع الخلق ويُصلح أحوالهم، ويقودهم إلى الخير والرشد، لا تُفكّر لنفسها وحدها، بل تحمل همَّ الإنسانية، وتعمل على تغيير واقعها نحو الأحسن، مستضيئةً بهدي الوحي، ومستنيرةً ببصيرة الحق.
تلك عقولٌ أدركَت أن رسالتها أسمى من حدود الذات، فبذلت وسعها في تبليغ مراد الله كما أراده، لا كما تهواه النفوس أو تُحرّفه الأهواء، فكانت عاقبتها حميدة في الدنيا أثرًا طيبًا، وفي الآخرة أجرًا عظيمًا؛ لأنها جمعت بين صفاء القصد، وصواب الفهم، وحسن العمل.
العقول الضيقة:
هي عقولٌ أُوتيت نصيبًا من الذكاء والفطنة، لكنها ضيَّعت وجهتها، فحبست نفسها عند ظاهر الألفاظ، ووقفت عند حرفية النصوص دون أن تنفذ إلى مقاصدها أو تستضيء بهداياتها الواسعة، فغفلت عن روح الشريعة، وأغلقت أبواب الاجتهاد في تنزيل النصوص على واقع الناس، فصار فهمها قاصرًا، وأثرها محدودًا، إنها عقول تشبثت بظاهرٍ مجرَّد، وغفلت عن فهم السياق والمآل، فلم تر في النص إلا كلماتٍ تُحفظ، لا معاني تُفهم، ولا مقاصد تُستثمر في إصلاح الحياة، ومع ما مُنحت من قدرةٍ على الفهم، إلا أنها عطّلت طاقتها عن إدراك مراد الله، فحرمت نفسها من نور البصيرة، وحجبت غيرها عن سعة الشريعة ورحمتها ومقصودها.
العقول الفاسدة:
هي عقولٌ انحرفت عن جادّة الحق، فلم تقف عند حدود الجهل فحسب، بل تجاوزته إلى التلاعب بالنصوص وتطويعها لخدمة الأهواء والمصالح، تنظر إلى الوحي نظرةً سطحيةً مبتورة، تنتقي منه ما يوافق رغباتها، وتُقصي ما يخالفها، ثم تُلبِس ذلك ثوبَ التأويل لتمنح باطلها مسحةً من الشرعية.
لا تقف عند ضعف الفهم، بل تمضي إلى تحريف المعنى، وتوجيه النصوص لهدم الثوابت، وبثِّ الاضطراب في المجتمعات، وزعزعة الأمن الفكري والقِيَمي، فهي بذلك لا تُسيء إلى نفسها فحسب، بل تُسهم في نشر الفتنة، وتُحدث شرخًا في وعي الناس، حين تجعل من النص – الذي هو مصدر هداية – أداةَ تضليلٍ وإفساد.
وهذه العقولُ أخطرُ من غيرها؛ لأنها تجمع بين سوء الفهم وفساد القصد، فلا تهتدي إلى الحق، ولا تدع غيرها يسلك سبيله، فكان علاجها بالرجوع إلى منهج العلماء، وتجريد النية لله، والوقوف عند حدود النصوص بفهمٍ سليمٍ يردّها إلى مقاصدها الصحيحة، ويصونها من العبث والتحريف.
عن عَبْد اللهِ بْن عَمْرِو رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» [متفق عليه].
قال الإمام بدر الدين العيني: "المراد برفع العلم هنا قبْض أهله، وهم العلماء، لا محْوه من الصدور، لكن بموت أهله، واتخاذ الناس رؤساء جهالًا، فيحكمون في دين الله تعالى برأيهم، ويفتون بجهلهم، قال القاضي عياض: وقد وجد ذلك في زماننا، كما أخبر به عليه الصلاة والسلام، قال الشيخ قطب الدين: قلتُ: هذا قوله مع توفر العلماء في زمانه، فكيف بزماننا؟!" [عمدة القاري شرح صحيح البخاري].
وقال سيدنا عمر بن عبد العزيز: "من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح" [الزهد لأحمد بن حنبل].

