أوروبا تبتعد عن حرب إيران.. حسابات المصالح تتغلب على التحالفات (تقرير)
تشهد العلاقات بين أمريكا وأوروبا مرحلة من التوتر غير المسبوق، مع تزايد المؤشرات على تراجع اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة في عدد من الملفات الاستراتيجية، ويأتي ذلك في ظل تصاعد الخلافات حول أولويات الأمن، ورفض أوروبي متزايد للانخراط في صراعات لا تمس مصالحه المباشرة، إلى جانب حالة من عدم الثقة في السياسات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.
العواصم الأوروبية تعيد تقييم طبيعة شراكتها مع واشنطن
وتعكس هذه التحولات توجهًا أوروبيًا نحو إعادة صياغة موازين القوة والتحالفات، مدفوعًا برغبة في تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي، خاصة بعد الضغوط التي مارستها إدارة دونالد ترامب داخل حلف شمال الأطلسي، والتي دفعت العواصم الأوروبية لإعادة تقييم طبيعة شراكتها مع واشنطن، والبحث عن بدائل تقلل من حجم الاعتماد عليها مستقبلاً.
أكد الدكتور رامي عاشور، أستاذ العلاقات الدولية، أن تراجع الحماس الأوروبي للانخراط في أي تحالف عسكري تقوده الولايات المتحدة ضد إيران يعود إلى عدة اعتبارات استراتيجية، في مقدمتها قناعة العواصم الأوروبية بأن هذه الحرب لا تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأوروبي.
الأولوية الأمنية لأوروبا لا تزال مرتبطة بالتهديد الروسي
وأوضح في تصريحات خاصة لنيوز رووم، أن الأولوية الأمنية لأوروبا لا تزال مرتبطة بالتهديد الروسي، خاصة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، مشيرًا إلى أن أي انخراط أوروبي في صراع جديد بالشرق الأوسط قد يؤثر سلبًا على قدرتها في دعم كييف ومواجهة التمدد الروسي.
وأضاف أستاذ العلاقات الدولية أن إيران، من وجهة النظر الأوروبية، لا تُعد عدوًا مباشرًا، بل على العكس، هناك مصالح اقتصادية واضحة، خاصة فيما يتعلق بالطاقة، حيث سعت دول مثل فرنسا وألمانيا سابقًا إلى تخفيف العقوبات على طهران والاستفادة من النفط الإيراني، لا سيما بعد الاتفاق النووي الذي تم في عهد باراك أوباما.
الحرب الإيرانية لا تخدم مصالح أوروبا
وأشار عاشور إلى أن دوائر صنع القرار في أوروبا تنظر إلى الصراع الحالي باعتباره “حربًا إسرائيلية بأداة أمريكية”، وليس حربًا تخدم مصالح أوروبية مباشرة، وهو ما يقلل من دوافع المشاركة فيها، محذرًا من أن الانخراط في هذا الصراع قد يفتح الباب أمام تداعيات خطيرة، خاصة مع تطور قدرات إيران في إدارة حروب الاستنزاف، بدعم من روسيا، ما قد يوسع نطاق التهديد ليطال مصالح أوروبية بشكل غير مباشر.
وفيما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة، أكد أستاذ العلاقات الدولية أن الخلافات الحالية لا تعني تخلي أوروبا عن واشنطن، نظرًا لحجم المصالح الاستراتيجية المشتركة، لكنها تعكس في الوقت ذاته حالة من الصدمة الأوروبية تجاه سياسات دونالد ترامب، خاصة نهج “أمريكا أولًا” الذي اعتبره الأوروبيون تجاهلًا لمصالحهم.
إنشاء آليات تمويل للجيش الأوروبي
وأوضح أن الضغوط الأمريكية، سواء فيما يتعلق برفع الإنفاق الدفاعي داخل حلف حلف شمال الأطلسي أو الخطاب السياسي تجاه القادة الأوروبيين، دفعت أوروبا إلى إعادة التفكير في الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، وهو ما تجسد في تحركات أوروبية لتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، بما في ذلك إنشاء آليات تمويل للجيش الأوروبي، مؤكدًا على أن أوروبا تتجه تدريجيًا نحو قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي، بما يقلل من اعتمادها على الولايات المتحدة، دون أن يعني ذلك فك الارتباط الكامل بين الجانبين.
الخلاف مع أوروبا بسبب الرسوم الجمركية
قال الدكتور هاني سليمان، مدير المركز العربي للدراسات، إن العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا شهدت في الأشهر الأخيرة تحوّلًا واضحًا وجذريًا مقارنة بالفترة السابقة، مشيرًا إلى أن هذا التغير بدأ جزئيًا منذ فترة الرئيس ترامب الأولى، لكنه لم يكن متبلورًا بالشكل الحالي.
وأضاف سليمان في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن معظم الخلافات السابقة كانت اقتصادية بالأساس، متعلقة بالتعريفات الجمركية وبعض الاتفاقيات التجارية، وكانت بدرجة أقل من التصعيد الحالي، أما في الفترة الثانية للرئيس ترامب، فقد أصبحت السياسات الأمريكية أكثر تشددًا وتصعيدًا، خاصة في الملفات الإيرانية والصينية، بحيث باتت تتسم بفترة حسم واضحة، وابتعاد عن أساليب التهدئة التقليدية في العلاقات مع أوروبا.
أسباب الخلاف بين أمريكا وأوروبا
وأوضح هاني سليمان أن جزءًا كبيرًا من الخلافات بين الطرفين يتعلق بقضايا حقيقية، منها:
• فرض رسوم جمركية على دول حليفة للولايات المتحدة، وهو أمر مثير للدهشة.
• تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية على السياسات الأوروبية.
• السعي الأمريكي للسيطرة على جزيرة جريند، ما أحدث صدعًا في العلاقات وأثار مخاوف أوروبا من انتقال النفوذ الأمريكي داخل القارة.
دور السياسة الأمريكية وشخصية ترامب
وأشار سليمان إلى أن خطاب ترامب الشعبوي وتصرفاته غير المسؤولة، بما في ذلك السخرية من الرئيس الفرنسي، ساهمت في توتر العلاقات، مؤكدًا أن بعض السياسات الأمريكية، مثل دعم إسرائيل في غزة، كانت نقطة فاصلة في الخلاف مع أوروبا.
الحرب على إيران ومضيق هرمز
وأضاف مدير المركز العربي للدراسات أن الحرب الأمريكية على إيران أثرت على الاقتصاد العالمي وأثارت توترات مع أوروبا، وأن محاولة ترامب الضغط على الدول الأوروبية للانضمام إلى تحالف لتحرير مضيق هرمز قوبلت بالرفض، مما زاد من حدة التباين في المواقف بين الطرفين.
وأكد هاني سليمان أن الفترة الحالية تمثل مرحلة تصعيد استراتيجي غير مسبوقة في العلاقة بين أمريكا وأوروبا، وأن فهم هذا التحول يتطلب متابعة دقيقة لتطورات السياسة الدولية والملفات الإقليمية الحساسة.