عاجل

«من المصنع للمريض».. منظومة التتبع الدوائي تضمن جودة وسلامة العلاج

منظومة التتبع الدوائي
منظومة التتبع الدوائي

في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع الدواء، وعلى رأسها ظاهرة الغش والتلاعب في سلاسل التوريد، تبرز منظومة التتبع الدوائي كإحدى أهم الأدوات الحديثة لضبط السوق وتعزيز سلامة المرضى. وتعتمد هذه المنظومة على تقنيات رقمية متطورة تتيح تتبع الدواء منذ مرحلة التصنيع وحتى وصوله إلى المريض، بما يضمن إحكام الرقابة على كل حلقة في سلسلة الإمداد الدوائي.

منظومة التتبع الدوائي

وتسهم منظومة التتبع في الحد من تداول الأدوية المغشوشة أو المهربة، من خلال توفير بيانات دقيقة وفورية عن مصدر الدواء وحركته داخل السوق، وهو ما يعزز الشفافية ويُصعّب من عمليات التلاعب أو التزوير، كما تساعد الجهات الرقابية على سرعة اكتشاف أي مخالفات أو منتجات غير مطابقة، واتخاذ الإجراءات اللازمة بشكل فوري.

تطوير كفاءة قطاع الدواء

ولا يقتصر تأثير المنظومة على الجوانب الرقابية فقط، بل يمتد ليشمل تطوير كفاءة قطاع الدواء ككل، عبر تحسين إدارة المخزون، وضمان توافر الأدوية، وتقليل الفاقد، فضلًا عن تعزيز ثقة المواطنين في جودة الدواء المتداول. ومن ثم، تمثل منظومة التتبع الدوائي خطوة استراتيجية نحو بناء نظام صحي أكثر أمانًا وكفاءة، قائم على التكنولوجيا والحوكمة الحديثة.

ومن جانبه أكد الدكتور صبري الطويلة، عضو نقابة الصيادلة ورئيس لجنة صناعة الدواء السابق، أن تفعيل منظومة التتبع الدوائي يمثل خطوة حاسمة في حماية سوق الدواء المصري من الغش والتزييف، مشيرًا إلى أن حجم صناعة الدواء في مصر تجاوز 400 مليار جنيه، ما يجعلها أحد الركائز الاقتصادية المهمة التي تتطلب رقابة دقيقة ومستمرة.

وأوضح أن المشكلة الأكبر التي تواجه القطاع حاليًا تتمثل في انتشار الأدوية المغشوشة أو مجهولة المصدر، والتي قد تصل نسبتها إلى ما بين 5% و10% من حجم السوق، بما يعادل سوقًا موازية تتراوح قيمتها بين 20 و40 مليار جنيه، مؤكدًا أن هذه الأدوية لا تقتصر خطورتها على غياب المادة الفعالة فقط، بل قد تشمل سوء التخزين أو النقل، ما يؤدي إلى فقدان جودة الدواء حتى وإن كان سليمًا في الأصل.

خلل في سلسلة التبريد

وأضاف "الطويلة" أن بعض الأدوية الحساسة مثل الإنسولين أو الألبومين تحتاج إلى ظروف تخزين دقيقة، وأي خلل في سلسلة التبريد يجعلها غير صالحة للاستخدام، موضحًا أن المشكلة لا تتعلق بالكميات بقدر ما تتعلق بجودة الدواء، قائلاً: “في الدواء نحن نتعامل مع الجودة، وإذا فقدت الجودة، فقد الدواء قيمته العلاجية تمامًا”.

وأشار إلى أن عمليات التزييف أصبحت تُدار من خلال شبكات منظمة ومافيا دولية، تستهدف الأدوية مرتفعة الثمن أو الناقصة في السوق، ما يزيد من خطورة الظاهرة، لافتًا إلى أن هذه المشكلة ليست محلية فقط، بل عالمية، وتصل نسبها في بعض الدول إلى أكثر من 20%.

نظام رقابي استباقي

وأكد أن الصيدلي في كثير من الأحيان لا يستطيع التفرقة بين الدواء السليم والمغشوش إلا في حالات محدودة، مثل اختلاف اللون أو الطعم، وهو ما يجعل الاعتماد على الشكوى بعد وقوع الضرر أمرًا غير كافٍ، مشددًا على ضرورة وجود نظام رقابي استباقي.

وفي هذا السياق، شدد الطويلة على أهمية تطبيق منظومة “التتبع الدوائي” (Track & Trace)، والتي تتيح تتبع كل عبوة دواء منذ خروجها من الشركة المصنعة مرورًا بسلاسل التوزيع وحتى وصولها إلى الصيدلية، باستخدام أكواد تعريفية تضمن معرفة مصدر الدواء ومساره بالكامل.

وأوضح أن هذه المنظومة ستسهم في القضاء على الأدوية المهربة والمزيفة، كما ستدعم الاقتصاد الرسمي للدولة من خلال ضبط السوق ومنع التداول خارج القنوات الشرعية، مؤكدًا أن “التتبع الدوائي ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية صحة المواطن وضمان جودة العلاج”، وأكد على أن تطبيق هذه المنظومة سيحمي المريض أولًا، ويُعزز ثقة المواطنين في الدواء المتداول، ويمنح الدولة أداة فعالة للرقابة الفورية بدلًا من الاعتماد على البلاغات المتأخرة، مشيرًا إلى أن التحول الرقمي في هذا الملف أصبح أمرًا لا يحتمل التأجيل.

مراقبة سوق توزيع الأدوية في مصر

كما ثمن المركز المصري للحق في الدواء، الخطوة التاريخية التي أقدمت عليها هيئة الدواء المصرية بالإعلان عن بدء مشروع طموح يهدف إلى مراقبة سوق توزيع الأدوية في مصر، من خلال منظومة "التتبع الدوائي"، التي ستتواكب مع اعتماد مصر "المستوى الثالث" في صناعة الأدوية من منظمة الصحة العالمية، بعد خضوع المصانع للتفتيش لمدة ثلاث سنوات.

وأوضح المركز، أن منظومة التتبع الدوائي ستُسهم في القضاء على الأدوية المقلدة أو المهرَّبة، ومواجهة الاحتكارات والسوق السوداء، حيث ستشارك في تنفيذها شركات الإنتاج والتوزيع، إضافة إلى الصيدليات الخاصة، بما يتيح معرفة الأصناف المتوفرة في الأسواق، وتحديد الأصناف الناقصة للعمل على تغطيتها.

عدم احتكار الأدوية الاستراتيجية

ويهدف المشروع أيضًا إلى ضمان عدم احتكار الأدوية الاستراتيجية، ومنع التلاعب بها أو استخدامها في السوق السوداء.

ومن جانبه أكد الدكتور مجدي مرشد، وكيل لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب، أن تفعيل منظومة التتبع الدوائي الإلكتروني في مصر يمثل خطوة بالغة الأهمية نحو ضبط سوق الدواء والحد من ظواهر الغش والتلاعب، مشيرًا إلى أن هذه المنظومة تعتمد على تتبع كل عبوة دواء منذ خروجها من المصنع وحتى وصولها إلى المريض.

تقليل فرص تداول الأدوية المغشوشة

وأوضح مرشد في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن تطبيق التتبع الإلكتروني يسهم بشكل كبير في تقليل فرص تداول الأدوية المغشوشة، حيث تصبح كل عبوة دواء مسجلة ومراقبة من خلال نظام إلكتروني دقيق، ما يصعّب من دخول أي منتجات غير مرخصة أو مجهولة المصدر إلى السوق الرسمي.

وأضاف وكيل لجنة الشؤون الصحية، أن المنظومة لا تقتصر فقط على مكافحة الغش، بل تلعب دورًا مهمًا في مواجهة نقص بعض الأدوية، من خلال توفير بيانات دقيقة حول حجم الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وهو ما يساعد الجهات المعنية على التدخل السريع لسد أي عجز.

وأشار إلى أن الأدوية المعترف بها رسميًا هي فقط التي يتم تداولها من خلال القنوات الشرعية وتحت إشراف هيئة الدواء المصرية، بينما تمثل المنتجات المصنعة في أماكن غير مرخصة، أو ما يُعرف بـ«تحت بير السلم»، خطرًا كبيرًا على صحة المواطنين، مؤكدًا أن هذه الأنواع لن تجد لها مكانًا داخل منظومة التتبع الدوائي.

انتشار بيع الأدوية عبر مواقع التواصل الاجتماعي

وفيما يتعلق بالأدوية المهربة أو التي يتم الترويج لها عبر الإنترنت، شدد مرشد على أنها تمثل تحديًا حقيقيًا، نظرًا لصعوبة الرقابة عليها، خاصة مع انتشار البيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، محذرًا المواطنين من التعامل مع أي مصادر غير موثوقة.

وأوضح وكيل لجنة الشؤون الصحية، أن الدولة اتخذت بالفعل خطوات لمواجهة هذه الظاهرة، من خلال تشريعات تنظم تداول الدواء والإعلان عنه، إلى جانب حملات رقابية مستمرة، إلا أن الوعي المجتمعي يظل عنصرًا حاسمًا في الحد من هذه الممارسات، مؤكدًا على أن نجاح منظومة التتبع الدوائي يتطلب تكامل الجهود بين الدولة والصيادلة والمواطنين، مشددًا على ضرورة شراء الأدوية من مصادر رسمية معتمدة فقط، حفاظًا على صحة وسلامة المرضى.

تم نسخ الرابط